osamah-she7adah-52
الرئيسية / فكر ودعوة / الإيمان بالغيب بوابة الأمان

الإيمان بالغيب بوابة الأمان

في واقعنا المعقد اليوم يعاني الكثير من الناس من القلق والاضطراب بسبب النزعة المادية المفرطة، والتي بسبب العولمة انتشر تأثيرها حتى بين بعض شباب وشابات المسلمين، هذا القلق والفراغ الذي ينتج عن زعزعة المسلّمات الدينية والعقدية من خلال التشكيك بأخبار الغيب الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، والتي تزعزع في قلوب الشباب والشابات الإيمان بالغيب والجنة والنار ثم يتركون للهاوية!

فالإيمان بالغيب له منزلة مركزية في العقيدة الإسلامية، ولذلك جعله الله تعالى أول صفات المتقين وفي مطلع القرآن الكريم، فقال الله تعالى: “ذلك الكتاب لا ريب فيه * هدى للمتقين ” الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون” (البقرة: 2-3)، فعلى الإيمان بالغيب تقوم العقيدة الإسلامية التي يطمئن بها قلب المسلم ويطيب عيشه، ومَن يفقد الإيمان بالغيب يدخل في دوامة مهلكة من الحيرة والاضطراب ومصادمة الفطرة.

وتتم زعزعة الإيمان بالغيب في قلوب الشباب بواسطة مصادر متعددة منها أبواق عربية من دعاة الحداثة وما بعد الحداثة تجتر الفلسفات الغربية ثم تقيئها على صفحات الكتب بأحرف عربية، فمثلاً كَتب نصر حامد أبو زيد: “والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه، ومشاهد القيامة، والسير على الصراط .. إلى آخر ذلك كلّه من تصورات أسطورية”، وكتب عبد المجيد الشرفي: “حديث القرآن عن آدم وحواء وعن إبليس والجن والشياطين والملائكة وعن معجزات الأنبياء لا يضير المؤمن أن يرى في كل هذا الذي ينتمي إلى الذهنية الميثية رموزاً وأمثالاً لا حقائق تاريخية”، ويقول أيضاً: ” الجن وعن الهبوط من الجنة وعن دور إبليس والشياطين والملائكة وعن الطوفان وعُمر نوح وغير ذلك من الظواهر الميثية مستمد من تلك العناصر التي تبدو اليوم بعيدة عن المفاهيم والتصورات الحديثة”، وهذا تكذيب صريح للقرآن الكريم يكرر ما قاله من قبل طه حسين -قبل تراجعه كما يقول د. محمد عمارة-: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثت بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة”، وهذا الكلام فيه نسبة الكذب والخيال للقرآن الكريم الذي وصفه الله عز وجل: “إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد” (فصلت: 41-42).

فهل هذه التشكيكات الحداثية بالغيب الذي ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية هي تشكيكات علمية وموضوعية! أم هي في الحقيقة الأساطير والأوهام التي يدّعون أنهم يحاربونها!

الغيب في اللغة العربية هو كل ما غاب عن إدراك الإنسان، وفي الاصطلاح الشرعي هو ما استأثر الله بعلمه ولم يُطلع عليه أحداً من خلقه إلا من شاء، والإيمان بالغيب: التصديق الجازم بكل الغيبيات التي أخبرنا الله ورسوله عنها دون تردد أو شك، ومنها أركان الإيمان الستة التي تتضمن الإيمان بالبعث والنشور والجنة والنار والحساب والميزان والصراط والروح والجن، وغيرها مما ورد فيه نص شرعي.

والإيمان بالغيب يشمل أموراً في الماضي كخلق الكون وخلق آدم وتاريخ الرسل والأنبياء وأممهم، وغيباً حاضراً كالروح في الإنسان والكهرباء والطاقة والمادة، وكتسجيل الملائكة أعمال الناس وكوجود مخلوقات وقوى وطاقة لا نعلم عنها شيئاً، وغيباً مستقبلياً وهو الذي سيكون في زمن لاحق.

والغيب منه غيب مطلق لا يمكن أن يعرفه أحد سوى الله عز وجل كموعد الساعة، ومنه غيب مقيد يعرفه بعض المخلوقات دون آخرين، أو يُعرف في وقت ما بعد أن كان غيباً كنوع الجنين عند الولادة أو بعد عدة أشهر بواسطة الأجهزة.

ولنقف وقفات سريعة مع الإيمان بالغيب كما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية لنفكّك هذه الشبهات والتشكيكات ونتأكد من صدق الوحي في القرآن والسنة في إخبارهما بالغيب:

فالقرآن الكريم أخبر بعدد من الأخبار الغيبية المستقبلية على مستويات زمنية متعددة، منها مثلاً المستوى المستقبلي القريب في قوله تعالى: “غُلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين” (الروم: 2-4)، وفعلاً تحقق إخبار القرآن عن الغيب خلال سنوات معدودة.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: “تبّت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد” (المسد: 1-5)، وفعلاً تحقق ذلك بموتهم على الكفر وعدم محاولتهم تكذيب القرآن بالدخول في الإسلام.

وتحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن الغيب المستقبلي المتوسط المستوى، فقال لسراقة بن مالك إنه سيكون له سوارا كسرى، وفعلاً تم ذلك بعد عقدين من الزمان.

فإذاً أخبار القرآن الكريم والسنة النبوية تتحقق في الواقع ولم يعرف خبر أو وعد نبوي لم يتحقق في أوانه لليوم، ولا تزال هناك وعود مستقبلية لم يحن موعدها بعد.

أيضاً هناك الكثير من أخبار الغيب الكونية تبين صدق خبر القرآن الكريم والسنة النبوية عنها، فمثلاً قال تعالى عن السماء والكون “والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون” (الذاريات: 47)، وقد أثبت العلم مؤخراً هذه الحقيقة وهي تمدد الكون واتساعه بعد أن كانت النظرية النسبية لأينشتاين تقرر أن الكون ثابت!

وقال تعالى عن الغيوم: “وينزل من السماء من جبال فيها برد فيصيب به من يشاء” (النور: 43)، ولم يكشف هذا الغيب إلا من سنوات قريبة أن الغيوم تكون بحجم ووزن الجبال وأن البرد لا ينزل إلا من غيوم كالجبال!

وقال تعالى عن الجبال: “والجبال أوتاداً” (النبأ: 7)، وهو ما توصل له العلم قبل عقود قليلة بأن الجبال هي أوتاد شكلاً ووظيفة!

وعن تكوّن الجنين في رحم أمه قال تعالى: “ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين” (المؤمنون: 13-14)، ولم يتمكن البشر من تفحص ذلك إلا بعد النهضة العلمية وتوفر المجاهر الإلكترونية، وكشف الغيب فإذا هو مطابق لما قرره القرآن الكريم.

وعن باطن المحيطات حدّثنا ربنا فقال: “أو كظلمات في بحر لجّي يغشاه موج مِن فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض” (النور: 40)، وحين تمكن الإنسان من صنع غواصات تنزل لأعماق المحيطات تبيّن له وجود بحر تحت البحر تختلف مياه كل منهما ملوحة وكثافة وحرارة، وأن الظلام هو السائد في قاع البحار.

وهناك الكثير من أخبار الغيب التي أخبر بها القرآن الكريم وجاءت في السنة النبوية تم الكشف عن الغيب الذي أشارت إليه وكان مطابقاً لما جاء فيهما، وهذه الحقائق والثوابت تؤكد لكل صاحب بصيرة وعقل أن صدق القرآن الكريم والسنة النبوية في هذه الأخبار يثبت صدقه في الأخبار التي جاء بها سواء في الماضي كقصة إبراهيم وإسماعيل وطوفان نوح وهبوط آدم عليه السلام، أو الأخبار التي جاء بها للحاضر من وجود الجن والشياطين، أو الأخبار للمستقبل من وجود القيامة والبعث والصراط والجنة والنار، فمَن كانت أخباره كلها صدق وحقيقة في الحاضر فلماذا سيكذب على الماضي والمستقبل؟؟

إن هؤلاء المشككين يمارسون التلبيس والخداع بدعواهم اعتماد العلم والمعرفة في تقبل الحقائق، وكأن العلم والمعرفة الموجودة تامة وكاملة من جهة، فلماذا يكشف دورياً عن أخطاء علمية سائدة؟ وكأن العلوم المتوفرة هي نهاية العلوم بينما الحقيقة أن العلماء يعرفون جيداً مقدار نقص المعرفة اللازمة، فكم مِن أمراض لا علاج لها، وكم من معادلات رياضية معلقة دون حل من عقود، وكم من تحديات علمية لم يتوصل لحل لها بعد.

ومن جهة أخرى كم هناك من كائنات ومخلوقات ومواد ضخمة أو صغيرة تحيط بنا أو بعيدة عنا هي موجودة من ملايين السنين ولم نعرف بها بعد، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك اكتشاف عضو جديد في جسم الإنسان يسمى المسراق في مطلع سنة 2017 لم يعرف من قبل!

فكما كانت الطاقة والكهرباء موجودة حولنا ونحن لا نعرفها لآلالف السنين فكذلك هناك الكثير الكثير من الغيب لا نعرفه، وحتى بعد معرفتها كالكهرباء والجاذبية والمادة نبقى لا نعرف حقيقتها!

إن تفهم هذه الحقائق ومطالعة المزيد منها كفيل بإذن الله من هدم أباطيل الحداثيين وأذناب المستشرقين ويعزز ويرسخ الإيمان بالغيب في قلوب الشباب والشابات، وأن العلم عاجز عن معرفة كل الواقع أو معرفة الحقيقة لكل الواقع، ولذلك سيبقى هناك الغيب الذي لا سبيل لمعرفته إلا من خلال الوحي الرباني الصادق في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومن هنا يمنحنا الإيمان بالغيب الأمان والاطمئنان.

الغد الأردنية

عن أسامة شحادة

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …