m-kazar-almajali-50
الرئيسية / فكر ودعوة / “ثوابت في زمن المحنة”

“ثوابت في زمن المحنة”

لا شك أن منطقتنا تمر بظروف قد تكون هي الأصعب منذ قرن تقريباً، مرت بظروف قاهرة قديماً، حيث التتار والحروب الصليبية وحملة نابليون والاستعمار الحديث وما تبعه من وعد بلفور ووجود الصهاينة، ورغم الاستقلال إلا أن معظم الدول تعاني من تبعية مفروضة عليها، ولعل وجود هذا الجسم الغريب بأطماعه وخبثه هو السبب في معظم ما تعانيه شعوب المنطقة، من عدم استقرار وكراهية وحروب.

لا نبالغ إن قلنا بأن عدم امتلاك المسلمين لإرادة حقيقية هو السبب في تراجعهم واستخفاف الآخرين بهم وبمقدّراتهم، حتى غدا المسلمون أضحوكة ومثلاً في التخلف والظلم والقهر والذل، والعجيب أن بعض المسلمين ربما يدعمون مثل هذه التصورات بتصرفات تجعل الغرب على وجه التحديد متأكداً من حكمه علينا، الغرب نفسه الذي يعرف تاريخ المسلمين والعرب خصوصاً حين قدموا للإنسانية حضارة حقيقية، ولكنه في أعماق نفسه لا يريد لهم النهوض مرة أخرى، ولذلك استمر في الهيمنة عليه وإشغاله بالفرقة والاختلافات، وأخيراً بما يسمى بفوبيا الإسلام، حيث التخويف منه، لأنهم باتوا متأكدين من أنه الدين الأكثر انتشاراً حتى في ديارهم، فلا بد من إيقافه وتخويف العالم منه بنعته بأنه دين الإرهاب، وبالتالي تشويهه ولو على أيدي أبنائه.

ولأننا في ظروف لا نُحسَد عليها هذه الأيام، وحتى لا يصيبنا يأس من جهة، واستفزاز من جهة أخرى، فأظن أنه لا بد من التذكير بالنقاط الآتية:

أولها: تعظيم شأن الله تصوراً وانقياداً، فلو أننا عرفنا الله تعالى حق المعرفة، وأدينا حقه سبحانه، واستشعرنا أنه سميع بصير عليم خبير، لحسب كل واحد منا كلامه وتصرفه، حين يعلم أنه مراقَب محاسَب، فلا بد من توافق عمله وقوله مع شرع الله تعالى، فلا يكون هو نفسه فتنة، ولا يكون وسيلة للآخرين أن يتصرف أي تصرف من شأنه الإضرار بالمسلمين ولا بغير المسلمين إن كانوا غير محارِبين.

إن تعظيم شأن الله تعالى يجعل المسلم واثقاً بربه وبسننه تعالى، فما أصابنا إنما هو بأيدينا، ولو غيّرنا حقيقة ما بأنفسنا لغيّر الله تعالى من أحوالنا “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”. وتعظيم شأنه تعالى يوجد ثقة وأُنسا به تعالى، فحين تكون الشدائد لا يوجد من نلجأ إليه إلا هو سبحانه، ولكن لا بد من عمل صواب بعيد عن المجاملات حتى نتفادى ما هو سيئ أو حتى أسوأ، ولا نستسلم للحال، بل نتوكل على الله تعالى حق التوكل ونأخذ بأسباب العزة، وننصح ونصارح المسؤول.

ثانياً: الأخوة، فقد قال تعالى: “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم”، ونعلم أن الإنسان بأخيه، وكلنا سواسية خُلقنا من أب واحد وأم واحدة، ولا فضل لأحدنا على الآخر إلا بالتقوى. والأخوة مسألة لها حقوقها، فلا يظلم ولا يحتقر ولا يستبيح حرماته ولا يخذله، ولعل بعض مظاهر الفرقة التي نراها اليوم بين دول وشعوب لا بد من إنهائها، نعلم أن الشعوب في غالبها ضد هذه السياسات البعيدة عن ديننا، ولكن لا بد من النصح والتذكير بالله تعالى، فالأخوة أرفع من أن تخضع لسياسات دول، فالدين يجمعنا أكثر من سياسات اجتهادية فرقتنا وتفرقنا، وغالبها خدمة لأعداء الأمة. ولي وقفة تفسيرية في قوله تعالى “إنما المؤمنون إخوة”، فـ (إنما) أداة حصر، والمعنى: ما المؤمنون إلا إخوة، فإن انتفت الأخوّة فلا بد أن الإيمان غير صحيح، فالإيمان الصحيح لا بد يجعل أتباعه إخوة متحابين متعاونين.

ثالثها: حسن الانتماء للدين والوطن، والانتماء كما الحب، ليس ادعاء، بل أداء، وكم من مدعِ الانتماء ولكنه سرق وخان وتآمر، بل باع مقدّرات وطن. نحن في أزمة حقيقية تهدد كيان المنطقة كلها، وفي الأزمات لا بد من الارتداد إلى الثوابت، ومن الثوابت هذا الدين وهذا الوطن، هو بيتنا وأبونا وأمّنا وكياننا، أن نحميه ونبنيه ونقدّم كل سبل الوقاية والنهضة له. ولا مجال مبدئياً للانشغال بماض قصّر كثيرون فيه من واجبهم تجاه وطنهم، ولكن الظرف صعب، فالوطن في مرمى أطماع الصهاينة الحاقدين، ويمكرون له ولأهله، ولا بد من الوعي أولاً بما يمكرون، والعمل ثانياً للتصدي لهذه الأطماع.

رابعها: نبذ الإشاعات التي تكثر في مثل هذه الأحوال، فلا بد من التوثق من الأخبار عموماً، وهو منهج الإسلام حتى في الأحوال العادية، فما بالكم في الأحوال الصعبة، وقد قال الله تعالى: “يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”. ومطلقوا الإشاعات غالباً يدرسون الأحوال النفسية للناس، ويهدفون من ورائها إلى إشغالهم بغير المهم من الأمور، أو تفتيت العلاقات بينهم، بل نشر ثقافة الشك والكراهية التي ربما تؤدي إلى الحقد والاقتتال بينهم، وهو منهج قديم استغله أعداء الأمة للتفريق بين المسلمين أو تشتيت جهودهم، فلا بد من منهج التوثق، ولا بد من الصبر حتى تنجلي حقائق الأشياء.

خامسها: لا بد من التشبث بالجوامع التي تجمع وتستدعي الجهود مجتمعة، وفي الوقت نفسه احترام الاختلافات بين الناس فهي أمور طبيعية، ولكن في وقت الأزمات نعتصم بالأصول والجوامع، ونغضّ الطرف عن كل ما من شأنه أن يفرّق أو يلهي عن المقاصد الكبرى، فلا يُلتَفَت إلى صغائر الأمور بوجود المعضلات والقضايا الكبرى، فهو لهْوٌ ساذج. وهنا نتذكر قاعدة (درء المفسدة أوْلى من جلب المصلحة)، حين نغض الطرف عن أية مصلحة قد نجنيها ولكن في مقابلها مفسدة عظيمة.

وفي هذا السياق أؤكد أن مصلحة الوطن أولى من مصالح الأفراد والجماعات والمواقف الشخصية، فحين يتعرض الوطن لأي خطر فكلنا جند له، وهدفنا الأوحد (بعد رضا الله) هو حمايته ودفع الشر والأذى والعبث عنه.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …