m-kazar-almajali-50
الرئيسية / فكر ودعوة / “هذا خير مِنْ مِلء الأرض من هذا”

“هذا خير مِنْ مِلء الأرض من هذا”

كثيرة هي المفاهيم التي جاء الإسلام ليصححها، ليست العقدية فقط، ولا شك أنها الأهم، ولكن ثمة مغالطات وانحراف فكري وعادات اجتماعية وتصورات كلها بحاجة إلى تصويب وفق الرؤية الإسلامية التي هي ميزان القيم الحقيقي، فالله هو الخالق سبحانه، العالم بكل مصالح الناس وحقائق الأشياء حتى قبل أن تحدث، والإنسان مهما بلغ من العلم فهو عاجز قابل للخطأ.

صحح الإسلام مفهوم السادة والعبيد، فكلنا عبيد لله تعالى، بل خاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالعبودية، وهو سيد الخلق أجمعين، فالإنسان يسود بعلمه وخُلُقه وعطائه، لا بماله وجاهه ونسبه. وصحح مفهوم الغنى والفقر، فكلٌ من الغني والفقير في ابتلاء، هذا ليشكر وذاك ليصبر. وصحح مفهوم النظرة إلى الحياة، فلا تنتهي بالموت، فالتي تنتهي بالموت هي الحياة الدنيا، بينما الحياة الحقيقية الباقية هي الآخرة. وصحح مفهوم التوكّل، وفرّق بينه وبين التواكل، فالتوكل أخذ بالأسباب ثم اعتماد على الله في النتائج، والتواكل عجز لا عمل فيه. وصحح مفهوم الزهد، فليس باعتزال الدنيا، بل بعمارتها وجعلها في اليد لا في القلب، وهكذا.

روى البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: “مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِس: (مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)”.

يا ألله! خير من ملء الأرض من هذا!؟ ولنا أن نتخيل حجم الأرض وكم تتسع من البشر ليكون هذا خيراً من ملء الأرض من ذاك، وجاء في حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم يصدّق الأول، أنه قال لأبي ذر: “يَا أَبَا ذَرٍّ، ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ أَرْفَعَ رَجُلٍ تَرَاهُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا، قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ أَوْضَعَ رَجُلٍ تَرَاهُ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ، فَإِذَا رَجُلٌ ضَعِيفٌ عَلَيْهِ أَخْلَاقٌ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَذَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهَذَا أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُرَابِ الْأَرْضِ مِثْلِ هَذَا”، هكذا: من تراب الأرض! ليبين الإسلام حقيقة القيم، ويضع الأمور في نصابها الصحيح.

هذا من المظاهر الاجتماعية التي يخطئ الناس في الحكم عليها، حين يظنون المظهر كافياً في الحكم على الناس، وينسون الجوهر والمخبر، ولا يعني هذا أن الإسلام لا يهتم بمظهر الإنسان، بل يراعيه ويحث على الجمال والنظافة والأناقة، ولنا في هدي النبي نفسه قدوة، صلى الله عليه وسلم، في شؤونه كلها، حث على النظافة والطهارة، وأن الله جميل يحب الجمال، وكيف كان له ثوب خاص بالضيوف، وآخر للجمعة، وآداب كاملة في الشؤون كلها، في العلاقات والطعام والزيارة والكلام والحقوق والذوقيات عموما، فيا له من دين اعتنى بشؤون الإنسان كلها، وفصّل فيها تفصيلا.

جعل الإسلام قيمة الإنسان الحقيقية بتقواه: “يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير”، وحين يلبس أحدنا لباس التقوى ويتزود بزاد التقوى، تبدو عليه علامات الهيبة والجمال، وتشرق روحه، ويرتفع قدْره، فمن عاش لله وفي الله لا بد هو راعيه وعاصمه وهاديه.

وورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: “إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، التَّقْوَى هَا هُنَا، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِه”، وهذه النصوص كلها تدل على ضرورة تصحيح الفاهيم في الحكم المبدئي على الناس، فلنا ظاهر أمرهم، ونترك حقيقتهم إلى الله تعالى، ولكن لا ننخدع بالمظهر ولا الفصاحة ولا بالمال، وهي أمراض اجتماعية يلهث الناس وراءها، وهم أنفسهم الذين يعظمون الأشخاص ويرتقون بهم في رتب عليا، وهم عند الله لا شيء، وبهذه الطريقة يستعبد الناسُ بعضهم بعضا، حين نخطئ في المفاهيم، وحين نضع الأمور في غير نصابها الصحيح.

كم مر علينا من أشخاص يصدق عليهم قول أبي حنيفة رحمه الله: (آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه)، وذلك أنه كان يمد رجليه أمام تلاميذه لألم في الركبة قد أصابه، واستأذنهم في ذلك، وفي أحد الأيام وهو في حلقته يدرّس طلابه، إذ دخل رجل عليه علامات الهيبة، فاستحيى أبو حنيفة منه، فضم رجليه احتراما له، وخانته الفراسة التي كان يتمتع بها، حتى إذا انتهى من درسه، سأله هذا الرجل سؤالاً (اختُلف فيه، منهم من يذكر أنه سأل عن اجتماع رمضان والحج معاً، ومنهم من يذكر أنه سأله عن الشمس إنْ لم تغب، وغير هذا)، فهو يدل على جهل فاضح، حينها أدرك أبو حنيفة حقيقة الرجل وقال قولته المشهورة: (آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه).

هناك أشخاص تنظر إلى أحدهم فإذا تكلم تقول في نفسك: ليته بقي صامتا، وبعض الناس رفعهم مالهم أو جاههم، ولكنهم في الجهل يرتعون، ومنهم من رفعه نفاقه أو جاء بالواسطة، وهي مرض اجتماعي قاتل، وكل هؤلاء أفسدوا الحياة وشوهوا القيم، حينها تأخر أصحاب الكفاءة، بل ربما شُوّهت صورهم، وهكذا تُسهِم الثقافة القاصرة والعادات الاجتماعية السيئة في تشويه المجتمع وإفساده.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares151

القيم العليا: مفهومها، وكيف نغرسها في نفوس أبنائنا

نذكّر أولاً بأن للتربية ثلاثة جوانب يكمّل بعضها بعضاً: 1- التربية العقلية والمعرفية 2- التربية …