sameer-sale7ah-48
الرئيسية / أقلام وآراء / سوريا: تنازلات ما قبل التسوية؟

سوريا: تنازلات ما قبل التسوية؟

ثمة أكثر من مؤشر على احتمال وصول محادثات جنيف 8 إلى طريق مسدود بينها ما يقوله رئيس وفد النظام السوري بشار الجعفري أنهم يغادرون جنيف بعدما انتهت المباحثات بالنسبة لهم، خصوصاً وأن دي ميستورا تعهد لهم بأن لا تتضمن هذه الجولة أي لقاء مباشر مع المعارضة وعدم التطرق بأي شكل من الأشكال إلى بيان الرياض هي وحدها التي دفعتهم لقبول المشاركة في المحادثات.

ثم هناك السجال السياسي المتزايد بين موسكو التي تتهم واشنطن بصب الزيت فوق النار في سوريا لتأجيج الخلافات والأخيرة التي ترد محملة القيادة الروسية نفسها مسؤولية إيصال الأمور إلى ما هي عليه اليوم من توتر بسبب دورها في سوريا وتخليها عن وعود إخراج الميليشيات الإيرانية من المشهد السوري. وما يردده وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون أن محادثات جنيف ” تشكل القاعدة الوحيدة الممكنة لإعادة بناء البلاد وبدء تطبيق حل سياسي لا يتضمن أي دور لنظام الأسد أو لعائلته في الحكومة السورية “.

إلا أن هناك ما يقول العكس ويدفع نحو سيناريو معاكس حول الحلحلة والانفراج الأقرب في ملف الأزمة وهي أمور تتعارض كلياً مع احتمالات تصلب النظام وتغريده خارج السرب أو تجاهل المعارضة لعروض وخيارات جديدة نحو التسوية الكبرى مثل:

كلام الجعفري حول أن النظام لا يسعى إلى مواجهة مع دي ميستورا وأنه سيصغي إلى ما يقول.

وتأكيدات دي ميستورا أنه  متمسك بقناعة أن المباحثات تتم وسط ” أجواء مهنية وجدية من الجانبين إلى أقصى مدى وخاصة مقارنة بالماضي”.

ومواصلة روسيا الاستعدادات لفتح الطريق أمام “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي بدأت موسكو توجه الدعوات  لانعقاده في منتجع سوتشي في شياط / فبراير 2018 المقبل.

من دون أن نهمل موضوع نجاح المعارضة السورية في دخول  جنيف 8 بوفد موحد وبسقف سياسي معقول.

والتوافق الأميركي الروسي حول تقديم آلية الحل السياسي وتفاهمات يسبقها مساومات وتنازلات ثنائية في إطار تقاسم الغنائم.

حقائق أخرى تبرز إلى العلن وهي أنه رغم أن سقف مناورات الحوار بين وفدي المعارضة والنظام مرتفع جداً وأن كل طرف يتصلب في طرح مطالب وشروط يعرف أنها ستقود في النهاية إلى الإصغاء لما سيقوله الآخرون. وفد النظام برفض التطرق إلى موضوع الانتقال السياسي الذي تصر المعارضة على إنجازه قبل الانتقال إلى مواضيع أخرى كالدستور والانتخابات. وهو يريد المراوغة وإطالة عمر المفاوضات لإحراج المعارضة من خلال طرح أولوية جديدة هي مناقشة مكافحة الإرهاب. والمعارضة ترى أن لديها سلاحاً مهماً وهو القرارات التي صدرت عن الشرعية الدولية وحددت أسس الحل في سورية وتراهن على ضغط روسي يجبر النظام على تقديم التنازلات التي تقبل بالانتقال السياسي وتشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات، وإعلان دستوري مؤقت يحرك المرحلة الانتقالية التي يوضع خلالها دستور دائم، وقانون للأحزاب والانتخابات، لكن الذي يتقدم على الأرض بدعم وموافقة إقليمية ودولية وكما يرى الكثير من المتابعين هو خارطة الطريق التي يقترحها المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا بشأن التسورية السورية على النحو التالي:

الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف ستستأنف في 5 كانون الأول/ ديسمبر الحالي: المبعوث الدولي يقول إن أطراف المفاوضات ناقشت المبادئ الـ12 التي طرحها هو وتتعلق بدائرة واسعة من القضايا وتؤثر على كل شيء في الدستور المستقبلي، “وقد بدأنا ببحث كيفية التعامل من هذه المسألة”.

الجميع يدرك أن المرحلة المقبلة تحت سقف جنيف لن تكون سهلة وأن المطلوب في النهاية هو:

فتح الطريق أكثر فأكثر أمام بدائل مثل الأستانة وسوشي ومؤتمر الحوار الوطني السوري.

التطورات التي حصلت خلال الأشهر الأخيرة في أستانة تفرض نفسها على جدول أعمال جنيف، ولا يمكن لهذا الاجتماع أن يتقدّم، من دون أن يأخذ بالنتائج التي تحققت على صعيد تفاهمات الدول الضامنة الثلاث.

موسكو في أسوا الأحوال متمسكة بطاولة سوتشي تحت شعار “مساعدة السوريين في إعادة وحدة البلاد وتحقيق التسوية السياسية للأزمة من خلال عملية شاملة وحرّة وعادلة وشفافة يقودها السوريون وينفذونها بأنفسهم ” ولكن في إطار مفاوضات جنيف وتفاهماتها إلى جانب القرار 2254.

خياران يتقدمان على الأرض أولهما ذهاب الجميع إلى طاولة حوار بديلة تريدها موسكو في سوتشي أو خيار أن تقبل الأطراف بتوسيع مهام اجتماعات الأستانة الثلاثية وتفعيل دورها وتبني القرارات التي ستتخذها.

ثم هناك احتمال أن تكون عملية تركيا على خط إدلب – عفرين تتقدم على خط سياسي موازٍ مرتبطٍ بتذويب “هيئة تحرير الشام” وتحويلها إلى طرف وازن في المعارضة السورية المعتدلة.

حقيقة أخرى غير معلنة أن يكون دي ميستورا نفسه “متواطئاً” مع المخطط الروسي باتجاه فتح الطريق أمام تقدمه بدعم أميركي إقليمي واعتماد صيغ الحل التي تطرحها موسكو لاختصار الطريق وتقصير المسافات في موضوع التسويات.

يبدو أن الولايات المتحدة، التي استخفت حتى الآن بقوة عملية أستانا، قد أدركت حدود إمكاناتها في نهاية المطاف.

ما الذي يعنيه أن تقترح موسكو بشكل مفاجىء إرسال قوات حفظ سلام دولي إلى سوريا في إطار تفاهمات محلية إقليمية؟

هل موسكو هنا تعرض خطة الانتقال من مناطق خفض التوتر إلى عملية حفظ سلام دولية ؟

هل كانت قرارات الرياض 2 هي تحضيرية لجنيف 8 وما بعده أم للدعوة الروسية لعقد اجتماع حوار وطني سوري في شباط المقبل؟

الانتصار الأهم الذي سجلته قوى المعارضة كان دخولها قاعة الاجتماعات هذه المرة أكثر انسجاماً ووحدة وقوة بعد اجتماعات الرياض 2 التي وحدت قوى المعارضة في جسم واحد يتحرك سياسياً ودبلوماسياً.

الأتراك يتابعون عن قرب المرحلة الثانية من انتخابات تنظمها الإدارة الذاتية الكردية على ثلاث مراحل في مناطق سيطرتها في شمال سورية، لاختيار مجالس محلية للنواحي والمقاطعات التي يتألف منها كل إقليم من أصل ثلاثة هي عفرين والفرات والجزيرة.

وأميركا تحاصر أنقرة بقرار التمسك بحليفها الكردي في سوريا وتصر على مشاركة “قوات سوريا الديمقراطية” في المفاوضات التي لا تضمهم نتيجة الاعتراضات التركية. والحكومة السورية لا تعترف بالفيديرالية الديموقراطية التي أسسها الأكراد شمال سورية بدعم من الولايات المتحدة، كما أنها لا تعترف بالانتخابات في مناطق سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وربما قد تكون مؤشراً على مفاجات جديدة وتليين مواقف وارجاء مواجهات بين لاعبين ومؤثرين في الملف السوري.

التمدد الميداني الأخير الذي نفذته مجموعة داعش في ريف شمال حلب سيعطي أنقرة الفرصة التي كانت تبحث عنها للتقدم الأسرع والأوسع في إدلب وجوارها نحو عفرين تحديداً. وترك “هيئة تحرير الشام” أمام 3 سيناريوهات: الهيئة بحلة جديدة أو التدخل العسكري التركي أو إطلاق يد النظام لمساعدة تركيا على الخروج من ورطة عفرين وهو اقتراح روسي يبحث لنفسه عن مكان في مناطق الحدود التركية السورية.

المدن

عن سمير صالحة

wavatar
كاتب وباحث تركي، أستاذ جامعي في لقانون الدولي العام والعلاقات الدولية، دكتوراة في العلوم السياسية من جامعة باريس، له عدة مؤلفات

شاهد أيضاً

abdullah-shaik-deeb-3

في القدس.. هوامش على جدران المسألة الفلسطينية

لم تكتف بعض القوى والنخب المُدجنة بتلميع صورة الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الربيع العربي …