m-kazar-almajali-56
الرئيسية / فكر ودعوة / “فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً”

“فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً”

حاولت الرجوع إلى مقالات حول حديث التوراة نفسها عن هلاك بني إسرائيل، ووجدت أشياء كثيرة، وفي أسفار متعددة، ولغتها غريبة نوعاً ما، وهناك ما له علاقة بكيانات قائمة مثل (ناطوري كارتا: حارس المدينة)، والأهم من هذا الأحداث المتسارعة التي تجري لليهود على أرض فلسطين، حيث يهودية الدولة التي من خلالها سيقترفون مزيدا من الخطايا، وارتكاب الخطايا وفق كتابهم هي من أسباب هلاكهم، يسيطر عليهم مفهوم الهيكل وبناؤه على أنقاض المسجد الأقصى، ووفق نبوءاتهم فإن هذا قريب، وهم ينتظرون المسيح الحقيقي (لأنهم لا يعترفون بعيسى عليه الصلاة والسلام)، ولا يظهر المسيح الحقيقي إلا بعد بناء الهيكل، والهيكل قد أُعِد منذ فترة، ولكنهم ينتظرون الفرصة السانحة، وما جرى أخيراً من تواطؤ أميركي قد يتبعه تواطؤ عالمي بل ربما عربي، كل ذلك ينبئ عن قرب حدوث شيء عظيم، أقله هدم المسجد الأقصى المبارك، فقد قرأت عن شيء اسمه (عيد الحانوكاة التوراتي) الذي يصادف هذه الأيام، حيث تطهير المعبد من اليونان، ويهمون الآن بنقل شمعدان كبير إلى داخل المسجد الأقصى، إيذانا بتدشين بناء معبدهم من جديد.

ولحيرتي حول النصوص الكثيرة الواردة، ولأن مصداقيتها مشكوك فيها أصلاً بعد التحريف الذي حدث لها كما يخبرنا القرآن: “يحرفون الكلم من بعد مواضعه”، فما وجدت أكثر من القرآن صدقاً ليخبرنا عن حقيقة بني “إسرائيل” وما جرى لهم، وما سيجري لهم حتى نهاية العالم، وكذلك ما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من أحاديث حول حقيقة يهود وما يكون بيننا وبينهم في قابل الأيام.

تحدثت سورة الإسراء في مطلعها عن إفسادَيْ بني إسرائيل، وهذان الإفسادان مقرونان بعلو كبير لهم في الأرض، والصحيح أن الإفسادين في زمن الإسلام لا ما قيل إنهما قبل ذلك زمن الأشوريين وغيرهم، فالإفساد الأول ينتهي ببعث عباد لله أولي بأس شديد، ونسبة العباد إلى الله تقتضي أنهم من خيرة الناس، وهذا ما كان زمن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. وتتحدث الآيات عن إمهال بني “إسرائيل” مرة أخرى، وأن الله رد لهم الكرة على المسلمين، ربما لفساد وقع فيهم حين نسوا واجبهم ودينهم، وأمدهم الله بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفرة في الحرب، وهذا ما أخبرتنا به الوقائع منذ تأسيس كيانهم حتى الآن، وذكر الله هنا موضوع الإحسان: “إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها”، وكأني بالآيات تخبر أنكم يا بني “إسرائيل” في اختبار الإحسان والإساءة، ولكن الواقع يشهد بما أساؤوا وما ارتكبت أيديهم من جرائم وقتل وظلم، فلا يمكن –والحال هكذا- إلا أن تذوقوا من جنس ما أذقتم الآخرين، فهذه الأرض مقدسة طيبة، ولا يُعمَّر فيها ظالم، فلا بد من نهاية، هي التي ذكرتها الآية، فاستحقاق القضاء على بني إسرائيل هو إفسادهم الثاني المرتبط بالإساءة: “فإذا جاء وعد الآخرة…”، وحينها تساء وجوههم، ويدخل المؤمنون الصالحون المسجد كما دخلوه أول مرة، ويدمروا كل هذا العلو، مادياً كان أو معنوياً.

ليس هناك أكثر من القرآن وضوحاً وصدقاً بأن هذا كائن لا محالة لبني إسرائيل، والنص كان في غاية الإنصاف، فالذي يقضي على بني “إسرائيل” هم أنفسهم، حين أساؤوا، بل تجاوزوا الحد كثيراً، فإفسادهم ليس على الأرض المقدسة فقط، بل يكاد يعم الأرض كلها.

قد نفهم أن ما حل بالمسلمين جميعا أنه من صنع أيديهم، حين تركوا أسباب العزة، وتشتَّتَ ولاؤهم، بل أصبح بأسهم بينهم شديداً، ولا شك أن وجود اليهود مرة أخرى على أرض فلسطين كان في حالة غفلة من الأمة وضعف، حيث استعمار تحكم بقوة في تشتيت الأمة وتقسيمها والتحكم بمقدراتها وإرادتها، وكانت الفرصة القوية للاستعمار بزرع كيان غريب بيننا، ومع تقسيم العالم الإسلامي إلى دول وكيانات ازداد التشتت، وإذا أضفنا إلى ذلك ارتباط كثير من هذه الدول بأصل المستعمِر، إذ له الكلمة الأولى، فهنا ندرك كم نحن بحاجة إلى نهضة شاملة واعية قوية.

إنه وعد الله تعالى، وتسارع الأحداث الآن دليل قوي على مصداقية القرآن، فاليهود هم الذين يجنون على أنفسهم هذه المرة، يتجرؤون وما زالوا يظنون أن العالم تبع لهم، وها هي الشعوب الحرة في العالم تدرك خطورة اليهود، ولا شك أن تهوّرهم هذا سيعجل بالقضاء عليهم، ومن يدري؟ أهي أيام أم أشهر أم أعوام قليلة، ولكن لا بد لأمر الله تعالى أن يقع، وسيهيئ الله الظروف وفق حكمته ومشيئته.

يعز علينا أن يكون هذا كله أمراً مؤكداً وبعض الأمة يعيش في سبات، وبعض الأنظمة الحاكمة لا تعي الصراع التاريخي، ولا تأخذ بأبسط أسباب القوة بأن تحرر شعوبها، أن تكون لهم قيمة وكرامة. وبعض هذه الأنظمة مشغولة في صراعات وخلافات سخيفة أقرب إلى الصبيانية، فالعدو وما يمكر به تجاهنا كفيل بأن يوحدنا ويلم شعثنا، فلا بد لهؤلاء الذين ربطوا مصالحهم وأهواءهم بالغرب وباليهود أن يعوا حقيقة الواقع، وأن الكفة –وفق الوعد الإلهي- تميل إلى صالح المسلمين.

كان الأجدر باليهود –وقد عانوا من الشتات والتشرد- أن يحترموا النفس الإنسانية، ولكن العجيب أنهم طبقوا على الفلسطينيين ما حل بهم هم أنفسهم، وهذه رعونة وقلة إنسانية، ولا بد يوماً محاسبون عليها، فكما تدين تدان.

بقي أن أشير إلى ما ورد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار في حتمية انتصار المسلمين على اليهود ولو بعد حين، فهو نص صحيح بأن ذلك كائن حتى قبل علامات الساعة الكبرى، ولا ربط بينه وبين المهدي، فلعل ذلك يكون قريبا على أيدي أهل الجباه الساجدة، والضمائر الحية، وأهل القرآن على وجه التحديد، فحين ذكر الله تعالى إفساديْ بني “إسرائيل” في سورة الإسراء ذكر بعدها فوراً: “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، دليلاً على أن أهل القرآن هم الذين سينهون علو بني “إسرائيل”.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares160

التقصير في الدعاة

قال لنا الأستاذ، وهو يحدّثنا في درس السيرة النبوية: علمتم مما سبق أن ستة من …