osamah-she7adah-56
الرئيسية / فكر ودعوة / محاور الإيمان بالغيب في عقيدة التوحيد( 4 ): مستقبل الوجود ومستقبل البشر

محاور الإيمان بالغيب في عقيدة التوحيد( 4 ): مستقبل الوجود ومستقبل البشر

بهذا المقال نختم استعراض محاور عالم الغيب في عقيدة التوحيد، والتي تتضمن أركان الإيمان الستة، ففي المقالات السابقة عرضنا لمفهوم الغيب، وهو كل ما غاب عن إدراكنا وحواسّنا، وتوصلنا لصدق أخبار الغيب في القرآن الكريم والسنة النبوية وأن الإيمان به هو بوابة الإيمان وبوابة الأمان والاستقرار للمؤمنين به، وهو أول علامة للمتقين وردت في القرآن الكريم، وبيّنا أن الغيب في القرآن والسنة وعقيدة الإسلام لا يتصادم مع العقل، بل الإسلام يَطلب من الإنسان التفكر والتدبر السليم، ومع تطور العلوم تظهر دوماً أدلة جديدة على صدق أخبار الغيب في الإسلام.

واستعرضنا المحور الأول وهو حقيقة الوجود الذي نعيش فيه، ووجودنا نحن أيضاً، وأنه مخلوق وله بداية ونهاية وتَحكمه سنن ربانية، وفي المحور الثاني استعرضنا مَن أوجد هذا الوجود؟ ما صفاته وأسماؤه؟ وأنه الله عز وجل الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وبيّنا أنه أوجد هذا الوجود وخاصة البشر من أجل يُعرف ويُعبد، وبيّنا في المحور الثالث أن السبيل إلى تحقيق الغاية من الوجود، والتي هي عبادة الله عز وجل، تكون من خلال اتّباع الرسل عبر تاريخ البشرية، وفي عصرنا الحالي لا سبيل لذلك إلا بالتزام عقيدة الإسلام وشريعته التي جاء بها نبينا عليه الصلاة والسلام، وقلنا إن البشرية انقسمت تجاه دعوات الأنبياء بين القبول والرفض.

وفي هذا المقال سنستعرض مستقبل الوجود ومستقبل البشرية عند مجيء وقته الذي قدّره له الله عز وجل لقوله تعالى: “قل إنّ الأوّلين والآخِرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم” (الواقعة: 49-50).

ويمكن تلخيص الخطوط العامة لمستقبل الوجود عند قيام الساعة بالمحطات التالية:

1 – قيام الساعة: وهي اضطراب نظام الكون كما قال تعالى: “يوم نطوي السماءَ كطيّ السّجل للكتب كما بدأنا أولَ خلقٍ نعيدُه وعْداً علينا إنّا كنا فاعلين” (الأنبياء: 104)، وقال تعالى: “إذا رُجّت الأرضُ رجّاً * وبُسّت الجبال بَسّاً * فكانت هباءً منبثاً” (الواقعة: 4-6)، وقال تعالى: “إذا الشمس كُوّرت * وإذا النجوم انكدرت” (التكوير: 1-2)، وقال جل ذكره: “وإذا البحار سُجّرت” (التكوير: 6).

2 – النفخة الأولى في الصُّور وموت كل المخلوقات: حيث أخبرنا ربنا عن الغيب في المستقبل فقال جل ذكره: “ونُفخ في الصور فصَعِق مَن في السماوات ومَن في الأرض إلا مَن شاء الله” (الزمر: 68)، وعنها يصعق الناس جميعاً، وقد بينت السنة النبوية ماهية الصُّور، فعند الترمذي أن أعرابياً قال: يا رسول الله ما الصور؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “قرنٌ ينفخ فيه” وصحّحه الألباني، وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً: “كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر أن يُؤمر أن ينفخ فينفخ” أخرجه الترمذي وصحّحه الألباني.

3 – البعث من الموت والنشور من القبور بعد النفخة الثانية في الصور: قال تعالى: “ثم نُفخ فيه أخرى فإذا هم قِيام ينظرون” (الزمر: 68)، حيث يرسل الله عز وجل مطراً ينبت أجسام الموتى بعد البلى، لقوله سبحانه: “وهو الذي يُرسل الرياح بُشْراً بين يدي رحمته حتى إذا أقلّت سحاباً ثِقالاً سُقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نُخرج الموتى لعلّكم تذكّرون” (الأعراف: 57).

وقد توافق العلم الحديث مع السنة النبوية في أمر الغيب الذي جاءت به السنة النبوية في ما رواه أبو هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم: “ما بين النفختين أربعون”. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت (أي لا أعلم)، قالوا: أربعون شهرا ؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة ؟ قال: أبيت. ثم يُنزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة” متفق عليه،  ففي العام 1935م حصل العالم الألماني (هانسن سبيمان) على جائزة نوبل بسبب اكتشافه لاحتواء عجم الذنب على الشريط الأولي الذي منه يتكون بناء الجنين وأنه لا يتأثر بالسحق أو الحرق أو الغلي، فسبحان الله الذي أتقن خلق كل شيء.

4 – حشر الناس للحساب: وبعد بعث الناس من الموت ومن القبور فإنهم يُحشرون كما في قوله تعالى: “وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم” (الحجر: 25)، ويكون الحشر في أرضٍ غير الأرض التي نعرفها، قال جل وعلا: “يوم تُبدّل الأرضُ غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار” (إبراهيم: 48)، حيث تسوّى الأرض بشكل مستوٍ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء، عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد” رواه مسلم، وجاء في الأحاديث أنها في فلسطين والشام، ويبقون هناك وقتاً طويلاً جداً في يوم مقداره 50 ألف سنة، ثم يُرفع للنبي صلى الله عليه وسلم حوضه فيَشرب منه ومَن صلح من أمته واتبع سنته وهديه، ثم يرفع لكل نبي حوضه فيَشرب وصالح أمته، ثم بعد وقت طويل تكون الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم لربه لبدء الحساب.

5 – بدء الحساب: ويكون ذلك بعرض الأعمال وتطاير الصحف، فالصالحون يأخذون صحف أعمالهم بيمينهم والأشرار يأخذونها بالشمال، قال تعالى: “يومئذ تُعرضون لا تَخفى منكم خافية * فأمّا من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه * إني ظننتُ أنّي مُلاقٍ حسابيه * فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية * كُلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية * وأما مَن أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتَ كتابيه * ولم أدرِ ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عنّي ماليه * هلك عني سلطانيه” (الحاقة: 18-29)، فيحاسب الله عز وجل الناسَ على أعمالهم، “فوربّك لَنسألنهم أجمعين * عمّا كانوا يعملون” (الحجر: 92– 93).

وبعد ذلك يُنصب الميزان لوزن الأعمال، قال الله تعالى: “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين” (الأنبياء: 47)، ونتيجةً لوزن الأعمال يُصنف الناس لأصناف ويجمع المتشابهون في نتائج الوزن والحساب معاً برغم اختلاف أزمانهم وأديانهم وبلدانهم، قال تعالى: “احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يَعبدون * من دون الله” (الصافات: 22-23)، وأزواجهم هنا تعني نظراءهم وأمثالهم.

6 – نصب الصراط فوق جهنم: فبعد فصل الحساب بين الناس تحضر جهنم، فعنه صلى الله عليه وسلم قال: “يؤتى بجهنم ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها” رواه مسلم، وينصب عليها الجسر وهو الصراط ليمر عليه الناس، وهذا الجسر وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “مدحضة مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليب، وحسكة مفلطحة، لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها السعدان” رواه البخاري، ويختلف عبور الناس من فوقه على درجات كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “فيمر أولكم كالبرق” وهؤلاء هم الأولياء والصالحون والشهداء والعلماء العاملون، “ثم كمرّ الريح ثم كمرّ الطير وشد الرجل، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول ربّ سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً” رواه مسلم، وعند الحاكم في مستدركه: “ثم يكون آخرهم رجلاً يتلبط على بطنه فيقول: يا رب لماذا أبطأت بي فيقول: لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك”! أما الكفار فيقعون عنه في النار، والمرور على الصراط فوق جهنم هو المقصود بقوله تعالى: “وإن مِنكم إلا وارِدها كان على ربّك حتماً مقضياً * ثم ننجي الذين اتقوا ونذَر الظالمين فيها جِثيّاً” (مريم: 71-72).

7 – دخول الكفار والظالمين نار جهنم: وعند مرور الكفار على الصراط فإنهم ينزلقون عن الصراط ويسقطون في النار، وهنا يتبين مستقبل مَن كفر برسالات الأنبياء وأعرض عن تحقيق غاية الوجود والخلق وهي عبادة الله عز وجل، وقد بيّن لنا القرآن الكريم والسنة النبوية الكثير من أوصاف النار، ومِن ذلك قوله تعالى: “فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعِدّت للكافرين” (البقرة: 24)، ووصف طعامها وشرابها فقال: “إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمُهل يغلي في البطون * كغلي الحميم * خذوه فاعتِلوه إلى سواء الجحيم * ثم صُبّوا فوق رأسه مِن عذاب الحميم” (الدخان: 43-48)، وقال: “وسُقوا ماءً حميماً فقطع آمعاءهم” (محمد: 15)، وقال عن مدة بقائهم فيها: “لابِثين فيها أحقاباً” (النبأ: 23)، وقال: “إن الله لعن الكافرين وأعدّ لهم سعيراً * خالدين فيها أبداً” (الأحزاب: 64-65)، وبشّرهم بأنهم فيها لا يموتون فيتخلصون من العذاب: “الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى” (الأعلى: 12-13)، أجارنا الله من عذاب النار.

8 – دخول المؤمنين الجنة: أما المؤمنون بالله عز وجل في الدنيا والمتبعون لرسالات الأنبياء والقائمون بعبادة الله عز وجل فبعد مرورهم عن الصراط فإنهم يجتمعون في ساحة مقابل باب الجنة، فيقتص من بعضهم البعض حتى يدخلوا الجنة لا مظلمة لأحد عند أحد، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم أول الناس دخولاً للجنة.

وقد وصف الله عز وجل الجنة في القرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى: “وسارِعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين” (آل عمران: 133)، وقوله تعالى: ” والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة ونُدخلهم ظلاً ظليلاً” (النساء: 57)، وقوله تعالى: “يُطاف عليهم بصِحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون” (الزخرف: 71)، وقال تعالى: “يلبسون من سندس واستبرق متقابلين * كذلك وزوّجناهم بحور عين * يَدعون بكلّ فاكهة آمنين * لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذابَ الجحيم” (الدخان: 53-56)، ومن أعظم نعيم الجنة للمؤمنين رؤية الله عز وجل، قل جلّ ذكره: “وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة” (القيامة: 22-23) ولذلك وبّخ الله الكافرين فقال: “كلاّ إنهم عن ربهم يومئذٍ لمحجوبون” (المطففين: 15)، نسأل الله الكريم أن يجعلنا من أهل الجنة والسعداء بلذة النظر إلى وجهه الكريم.

هذه هي حقيقة الغيب الذي يبحث عنه الإنسان، والعاقل من حكّم عقله، وقبِل التصديق بأخبار الغيب في الوحي الرباني الذي قامت الأدلة على صدقه وحقه، فمن آمن بها وصدقها فهو السعيد الموفّق، ومن أعرض عنها فإن مستقبله مظلم مؤسف، وهذه هي حرية الاختيار التي يحاسب الناس عليها يوم القيامة.

الغد الأردنية

عن أسامة شحادة

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

abdullah-shaik-deeb-3

في القدس.. هوامش على جدران المسألة الفلسطينية

لم تكتف بعض القوى والنخب المُدجنة بتلميع صورة الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الربيع العربي …