kahaled-alroushah-35
الرئيسية / فكر ودعوة / أثر الدفء الأسري في تميز للأبناء

أثر الدفء الأسري في تميز للأبناء

كثيراً ما نرى صورة الأب الشاكي من تراجع ابنه دراسياً وعلمياً ومهارياً، وتتفاقم الشكوى عندما ينضم إلى ذلك بداية انحراف الأبن سلوكياً.

ودائماً يتردد السؤال على لسان الوالدين: كيف يتراجع علمياً وعنده المعلمون المتميزون ولديه كل ما يحتاجه من مال؟!

المشكلة متكررة بصورة جعلها كادت أن تصبح ظاهرة يمكن أن نسميها ظاهرة التراجع العلمي للمدللين تربوياً!

إن للوالدين دوراً كبيرا في تفوق الأبناء وتميزهم العلمي والمهاري، ولا أبالغ إذا قلت أن أهم العوامل التربوية لتفوق الأبناء هو إحسان التربية المنزلية والأسرية للابن ونجاحها.

إن هناك جوانب كثيرة مؤثرة في تفوق الأبناء قد تخفى على الناظر لأول وهلة من بعيد لأبنائه المتراجعين دراسياً وعلمياً ومهارياً، برغم توفير جوانب أخرى كثيرة من رفاهية العيش.

أهم هذه الجوانب هو الجانب النفسي، إذ التربية الوالدية المستقيمة تنتج لنا نفسية معتدلة وهادئة، ومشاعر متزنة تستطيع الإبداع والإنتاج والتركيز.

وإبعاد الأبناء عن أجواء التوتر والعصبية والغضب والخلاف والرفض النفسي ينتج لنا نفسية ثابتة في المواقف .

جاء في التقرير الختامي لدراسة أمريكية متخصصة أعدها فريق مكتب البحوث التربوي المركزي الأمريكي بعنوان (إعداد الطفل للمستقبل) “إن أهم الملامح لنجاح التجربة اليابانية والفنلندية في التعليم يتمثل في إشراك الوالدين في تعليم الأطفال منذ الروضة وحتى الثانوي، حيث نجحت الأسرة اليابانية والفنلندية في تحقيق العلاقة بين البيت والمدرسة”.

الحقيقة أن كثيراً من العوامل المهمة في تنمية شخصية الطفل المتفوق إنما تكمن فيما توفره الأسرة له من حالة نفسية وقلبية وشعورية آمنة وهادئة ومستقرة، تنبت به الثقة وتزرع فيه الحكمة، سواء عبر توفير إمكانات أورعاية أوتوجيه أونصح أودعم في المواقف أوتشجيع ..الخ

كما يعتمد كسب المهارات والخبرات الأصلية على مدى إتاحة ذلك في فترة الحضانة الأسرية الأولى، وكذلك على ما تقدمه الأسرة من خبرات خارجية مقننة ومختارة لأبنائها.

ولئن كان تأثير الأسرة في المراحل العمرية الأولية يبدو ظاهراً بصورة أكبر من المراحل الأخرى، فإن هذا التأثير يظل بلا ريب محتفظاً بمكانته المتقدمة في حياة الشاب، ولنا أن نعجب من كلمة ترددها غالب نساء العالم لأزواجهن ولو بعد خمسين عاماً من الزواج :” كنت في بيت أبي أفعل كذا وكذا .. وكان بيتنا به ميزات كذا وكذا” ..

وللأسف فإن انقطاعاً حاداً قد حدث بين البيت والمدرسة، وانفصالاً بيناً أدى إلى تباعد خطي التربية لهما، ماأدى إلى ضعف أداء كل منهما، وأضعف بالتالي قدرة أحدهما على متابعة ومراقبة واستكشاف المجال التربوي للأبناء.

وقد تبدو فرضية – تقول إن الوالدين الأكثر قدرة على الإنفاق والأكثر ثقافة غالباً ما يخرجون لنا أبناء أكثر نبوغاً ونجاحاً، خصوصاً إذا ألحقوهم بمدرسة متميزة – لأول وهلة فرضية صحيحة، الا أن وقائع تطبيقية وعلمية تنبئنا أن كثيراً من المتفوقين والنابهين والناجحين لم يتربوا لأبوين غنيين أو مثقفين بدرجة متميزة عن الآخرين بل حتى لم يتخرجوا من مدارس متميزة ولا متقدمة تقنياً!

غير أن أسرهم جميعاً كانت تهتم برعايتهم وتدعمهم نفسياً، وتجعلهم محور رعايتها ومراقبتها، بل في بعض الدول النامية يمكنك أن تلحظ كثيراً فرضيات تقول: إن كثيراً من الناجحين كانوا لأبوين متوسطين في شتى الأوصاف، لكنك إذا دققت أكثر ستجد أن هذين الوالدين قد أحاطا ابنهما بالعطف الكامل والحنان المطلوب والتقويم الدائم وبما لديهم من خبرات حياتية إيجابية.

واستطيع الاتفاق مع نتائج دراسات بحثية كثيرة حاولت رصد ما يمكن أن يسهم في التفوق والنمو المتوازن، كما أسهمت نتائج دراسة متخصصة بعنوان رعاية المتفوقين نشرت في مجلة البحوث التربوية، حيث لخصت النتائج كالتالي:

أولاً: أن النمو العقلي للمتفوق لايمكن أن يحدث إلا من خلال التفاعل المتبادل بينه وبين محيطه الخارجي وما يحويه من مؤسسات للتنشئة والرعاية (البيت والمدرسة بالخصوص).

ثانياً: إذا توافرت شروط الحماية الانفعالية الخارجية كالمودة والمحبة والثقة والطمأنينة فإن المتفوق سينمو إلى أقصى درجة مما تسمح به قدراته اعتماداً على نشاطه الذاتي ويكون أكثر جرأة ورغبة في المبادرة، وأكثر قدرة على التحكم في الشروط الداخلية والخارجية الناسبة للنمو العقلي والتفوق والتميز.

ثالثا: يستطيع المتفوق عقلياً أن يوسع باستمرار مداركه عن طريق التفاعل الإيجابي مع بيئته الاجتماعية – القريبة – وما تقدمه له من مؤثرات ومثيرات

رابعاً: يعد المحيط الاجتماعي المصدر الأول والأساسي لأنشطة المتفوقين عقلياً ولأهدافهم المختلفة، فالأفراد القادرون على الاستفادة من مثيرات محيطهم الخارجي ويستطيعون استثمار ذلك بذكاء يكون بمقدورهم اكتشاف أساليب التعامل بأنفسهم والتي لم يتعلموها ممن يقومون على تربيتهم وتعليمهم.

خامساً: إن تشجيع الأسرة لهؤلاء الأفراد الأذكياء ليوسعوا محيطهم المعرفي بأنفسهم من خلال إطار متابعة موجه، يساعدهم على إيجاد فرص تعليم وتواصل أوسع وينمي قدراتهم الإبداعية بدرجات كبيرة

موقع المسلم

عن د. خالد رُوشه

wavatar
كاتب وداعية إسلامي مصري

شاهد أيضاً

fares160

التقصير في الدعاة

قال لنا الأستاذ، وهو يحدّثنا في درس السيرة النبوية: علمتم مما سبق أن ستة من …