m-kazar-almajali-59
الرئيسية / فكر ودعوة / “إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”

“إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”

هي خلاصة تفوّق يوسف عليه السلام ونجاته من المحن الكثيرة التي تعرض لها، وهي سر فلاح كل واحد منا في دنياه وآخرته، فيوسف عليه الصلاة والسلام تعرض لمحنة كيد إخوته، ولوحشة البئر، وللرق، وللخدمة في القصر، وفتنة النساء، والسجن، ثم الملك، وطيلة هذه المدة فتنة البعد عن أبيه النبي الكريم، كل ذلك نجح فيه، ولخص الأمر لإخوته حين سألوه وقد تيقنوا أنه أخوهم الذي ألقوه في البئر وما خطر ببالهم أن ينجو، فضلاً أن يكون عزيز مصر، فقالوا: “أئنك لأنت يوسف!؟”، فأجابهم: “قال أنا يوسف وهذا أخي، قد من الله علينا، إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”.

هي السورة الكاملة التي نزلت على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو في أشد حالات الإعراض عنه والتنكيل به وبأتباعه المستضعفين، وفي عام فقد فيه من كان ينصره ويسليه، فقد الزوجة الغالية خديجة الحكيمة الناصحة التقية، وفقد عمه الذي نصره ودافع عنه، وحين رجع من الطائف وقد طرده أهلها، بل ضربوه وأدموا قدميه الشريفتين، حينها أكرمه الله بسورة يوسف وبرحلة الإسراء والمعراج، وما لبث الأمر أن انفرج بقبول الأوس والخزرج دعوته فكانت البيعة ثم الهجرة إلى المدينة، ولئن جاز لنا أن نلخص سورة يوسف فإننا نجملها بأن مع العسر يسراً، فمن كان يظن أن هؤلاء الإخوة الذين ألقوه في البئر سيأتون إليه فيما بعد ليطلبوا حاجتهم من الطعام!؟ ومن كان يظن فيما بعد أن هذا النبي الذي هاجر من مكة سيقول لمن أخرجوه بعد ثمان سنين: ما تظنون أني فاعل بكم؟ وقد كانت الغلبة له.

إنها التقوى مع الصبر، وفي التقوى معاني التعظيم لله وخشيته، وهذا يستلزم طاعته فيما أمر ونهى، فلا يمكن أن تكون تقوى مع معصية، سواء في تقاعس عن تنفيذ أمر أو وقوع في حرام، ولئن كان كل ابن آدم خطاء فالمسارعة إلى الإنابة والتوبة، فالتقوى وقاية، أي أن يجعل أحدنا بينه وبين عذاب الله وسخطه ما يقيه، وفسرها سيدنا عمر رضي الله عنه بمن يريد المرور في حقل مليء بالشوك ماذا يصنع؟ فالجواب أن يشمر ويجتهد أن لا تقع قدمه على أذى، وهكذا ينبغي أن يكون مسيرنا في هذه الدنيا.

أما الصبر فشأنه عظيم عند الله تعالى، والدنيا عموما دار ابتلاء وتنغيص وكدر، وما يصيب الإنسان فيها إما سراء فيشكر الله عليها، وإما ضراء فيصبر، وكلاهما خير، يرتبط الإنسان من خلالهما بربه سبحانه مقدّر الأمور، الحكيم العليم.

فمن جمع أمري التقوى والصبر فلا بد فائز، ووصف الله الصفتين معا بأنهما (إحسان)، حين قال: “فإن الله لا يضيع أجر المحسنين”. والإحسان مرتبة عالية فيها معنى المراقبة لله: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”، واستحقت هذه المرتبة الصدارة لأنها معية الله، ومن كان مع الله كان معه وأحبه ورضي عنه ودافع عنه وتولاه، وهذه قمة السعادة المؤهلة للفوز بنعيمي الدنيا والآخرة.

وورد الجمع بين التقوى والصبر في ثلاثة مواضع أخرى من القرآن في سورة آل عمران، الأول قبيل الحديث عن غزوة أحد، في معرض النهي عن اتخاذ بطانة من الأولياء من دون المؤمنين، فما تخفي صدورهم أعظم مما يتفوهون به من البغضاء، ومع ذلك يحبهم المسلمون وأولئك لا يحبونهم، بل يظهرون نفاقاً أنهم مؤمنون، وما يحدث للمسلمين من خير يسؤهم، وإن تصبهم سيئة يفرحوا بها، وهنا يقول الله تعالى: “وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً”، فهو نوع آخر من التوفيق في رد كيد الأعداء، وما أكثر كيدهم ومكرهم.

والموضع الثاني في السورة جاء أثناء الحديث عن غزوة أحد بجراحاتها ودروسها العظيمة، فذكرهم الله بما وجه به نبيه أن يقوله لهم، من إمداد الملائكة، ثلاثة آلاف مُنزَلين، فقال تعالى: “بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مُسَوَّمين”، فهو الإمداد المحفوف بالعناية والرعاية، يذكرهم به لو أنهم صبروا، لما حل بهم ما حل.

وفي الموضع الثالث في السورة في أواخرها بعد آيات أحد يخبرنا الله تعالى عن مطلق سنة الابتلاء في هذه الدنيا، وعن الأذى الذي يتعرض له المؤمنون من خصومهم فقال: “لتبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور”، ويا له من تعبير رائع إذ الصبر مع التقوى يولدان عزيمة وإرادة مشحونتان بقوة هائلة من الإيمان لا يتصور المؤمن معه أي عوائق في انطلاقته لنيل رضا الله تعالى.

والعجيب أن هذه الآيات الثلاثة في سورة آل عمران قدمت الصبر على التقوى، بينما في سورة يوسف تقدمت التقوى على الصبر، فيوسف عليه الصلاة والسلام نبي، وكان من أمره ما كان، فالتقوى حاصلة وتحلّت بالصبر، بينما كان العنصر الذي فيه خلل مع الصحابة هو موضوع الصبر، ولذلك قدمه تعالى هنا تذكيراً لهم بأهميته، وإلا فالتقوى موجودة، لكنها لا تكفي وحدها لنيل العزة والنصر، فلا بد من الصبر أيضا، ويؤخذ المجموع بجريرة بعضهم، وهو درس قاس لنا في ضرورة أن نكون يداً واحدة على أعدائنا، فحين يقترف بعضنا إثماً نُهزَم، فكيف بالفرقة والتنازع والتدابر!؟

التقوى مع الصبر شعار المؤمن في حياته في شؤونه كلها، في البيت والعمل والمسؤولية على اختلاف مراتبها والدعوة والنضال، بل في بناء الحضارة الإنسانية التي ننشدها جميعاً من أجل سعادة الإنسان.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

fares160

التقصير في الدعاة

قال لنا الأستاذ، وهو يحدّثنا في درس السيرة النبوية: علمتم مما سبق أن ستة من …