m-abu-se3aileek-26
الرئيسية / فكر ودعوة / آثار المبشرات النبوية في حياة المسلمين (4)

آثار المبشرات النبوية في حياة المسلمين (4)

7- إعادة الثقة بالإسلام وأهله إلى أصحاب النفوس الضعيفة:

صاحب النفس القوية المؤمنة لا تتزعزع ثقته بدينه ولا بأمته مهما اشتدت حوله الأمور، وضاقت به السبل، وكثر حوله الأعداء.

وأما صاحب النفس الضعيفة، التي لم يكتمل إيمانها بعد؛ فإن ثقته بإسلامه وأمته داخلها شيء من الزعزعة؛ لكونه لم يتصور ما حوله من شدائد تلم بالأمة، ومؤامرات تحاك ضدها، وقتل يقع فيها في مشارق الأرض ومغاربها، وأمثال هؤلاء الضعاف لا بد لهم من اطلاع على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشرة بنصر الإسلام والمسلمين، وذلك كإجراء علاجي يقصد به إعادة ثقة هؤلاء بإسلامهم، وتخفيف الضغط النفسي الواقع عليهم نتيجة ما يرون، وذلك لقلة اليقين عندهم، ولعدم معرفتهم بسنة الله تعالى في حياة الأمم، قال تعالى: “أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناً وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين”، وقال سبحانه: “الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً”.

لذا؛ فإن علاج ما في نفوس هؤلاء من عدم الثقة بالنصر لهذه الأمة إنما يكون بإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم المخبرة بنصر الله تعالى لهذا الدين وعلوه على سائر الأديان، ونصر الله تعالى لهذه الأمة، وتأييده لها.

إن هذه النصوص يجب أن تعيد الثقة إلى نفوس هؤلاء، وتخلصهم من كل مظاهر الضعف الناتجة عن انعدام الثقة، ذلكم الداء الخطير الذي ينخر في كيان الأمة، ويتلف أوصالها، ويقضي على بذرة الخير فيها، وهل يريد منها أعداؤها أكثر من فقدانها للثقة بدينها أولاً، ثم بنفسها ثانياً؟ وعندئذ يسهل لهم قيادتها إلى حتفها، والإجهاز عليها دون مقاومة تذكر، أو جهد يظهر.

لذا؛ فما أحرى هؤلاء أن يقرأوا هذه الأحاديث الشريفة المبشرة بالنصر لكي يعالجوا نفوسهم مما ألم بها من مرض الوهم بعدم جدارة الأمة للنصر، وعدم الثقة بقابليتها للنصر على أعدائها في يوم من الأيام، وما هذا بالأمر الصعب، بل هو أمر سهل ميسور يمكن لكل واحد أن يطلع عليه ويصل إليه بسهولة ويسر، ليبني بعده موقفاً جديداً ملؤه الثقة بالإسلام، وبالأمة التي تحمله وتنتسب إليه، وما ذلك على الله بعزيز، والله المستعان.

8- أنها تورث المؤمن العزة:

المسلم عزيز في الدنيا والآخرة، وعزته هذه مرتبطة بدينه، وهناك علاقة وطيدة وارتباط وثيق بين الإيمان والعزة، فإذا وجد الإيمان وجدت عزة المسلمين، وإذا فقد وتخلخل انعدمت العزة عنده، نفهم هذا من قوله تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين”.

هذا عن أصل وجود العزة في نفس المؤمن، لكن هناك أمور تزيد من عزة المسلم، واستعلائه على أعدائه، ومن هذه الأمور الأحاديث النبوية الصحيحة التي تبشر المسلمين بالنصر والتمكين، ذلك لأن من استشرف مستقبله، حتى بدت له معالمه، وذلك بخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلا بد له من أن تمتلئ نفسه عزة، كيف لا وهو يعلم أن ربه ينصره في هذه الحياة الدنيا على أعدائه، وعندها فلن يتنازل عن عزته واستعلائه، لأنه موعود بالنصر على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وهو مؤيد بالتمكين من ربه سبحانه وتعالى، وهذا ضمان للمستقبل الزاهر في حياة الأمة المسلمة، ولذا فإن حال المرء حينئذ كحال من اطلع على نتيجة فعل من الأفعال كان قد قدم فيه جهده، فهو ضامن لمستقبله، وهذا يورثه عزة وشجاعة وثقة وطمأنينة، فهو منصور لا محالة، لوعد الصادق الذي لا يخلف وعده، وهو عزيز لأن الله قد ضمن له النصر في الدنيا والثواب في الآخرة.

ومن هنا؛ نفهم تلك العزة التي كان عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم من السلف الصالح، فقد كانوا لا يرضون بالضيم ولا يجبنون عند كريهة، حتى كان الناس يخشونهم، وما هذا منهم إلا لأنهم قد تمسكوا بدينهم، وبما هم عليه من الحق، وقد آمنوا بصدق وعد الله تعالى لهم بالنصر على الأعداء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأصبح هذا جزء من اعتقادهم، وبلغوا فيه درجة عالية من اليقين، وعندها ما هابوا جهة ما في الأرض، ولا خافوا من متربص بهم في يوم من الأيام، فهم يأوون إلى ركن شديد لا يضام، ولا يظلم عنده أحد.

وبعد؛ فهذه الآثار التي تترتب على الأحاديث النبوية الشريفة التي تبشر الأمة بالنصر على أعدائها في قادمات الأيام، هذه الآثار التي وصفناها فيما يظهر لنا، وكلها فيما يبدو أدوية لأدواء الأمة المسلمة في هذه الأيام، فإن الناظر في واقع الأمة الآن يهال من كثرة أدوائها، وشدة أمراضها، تلك التي قد أزمنت في الأمة، واستعصت على العلاج، لذا فقد كانت هذه الأحاديث المبشرة بالنصر للأمة المسلمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم علاجاً لتلك الأدواء، فاليقين الذي تضعه هذه الأحاديث في القلوب مقابل قلة اليقين التي انتشرت في الأمة، وزيادة الإيمان التي تكون بها علاج لقلته في الناس، والدفع إلى الفتح والمعالي دواء للأحجام والتراجع الموروث في أجيال الأمة، والأمل الذي تنشئه هذه الأحاديث دواء لليأس الذي خيم على النفوس، وأضعف القلوب، وباعد بين الأمة وما يجمل أن تقوم به، والدفع للعمل والحركة دواء لحالة الضعف التي تمنع من العمل والحركة، وتشل حركة الأمة، حتى لكأن العمل الجاد اصبح محرماً على الأمة في هذه الأيام، حتى أنها قد رضيت بما يراد لها من أعدائها، وهل يريد العدو لعدوه خيراً، او يروم له نفعاً، أو يبحث له عن نجاة؟!

هذا ما أردنا توضيحه من آثار تلك الأحاديث الشريفة في حياة الناس فيما ظهر لنا، ومن الله تعالى نرجو العون والسداد.

عن د. محمد أبو صعيليك

wavatar
من علماء الأردن وعضو الهيئة الإدارية بجمعية الحديث الشريف وله 25 كتابا في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ والفكر...

شاهد أيضاً

rodwan-zeyadah-42

كيف انهار “الجيش العربي السوري”؟

كان قرار النظام السوري مبكراً في زجّ الجيش النظامي في أتون “النزاع” السياسي، المعبر عنه …