m-zahed-gool-66
الرئيسية / أقلام وآراء / الشروط التركية للاتفاق مع أمريكا حول منبج

الشروط التركية للاتفاق مع أمريكا حول منبج

في اللحظات الأخيرة لإنهاء عملية «غصن الزيتون» في عفرين زاد الحديث عن الاتفاق التركي الأمريكي حول منبج، فالرئيس التركي منذ الأيام الأولى لبدء عملية «غصن الزيتون» قبل شهرين بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2018 أعلن أن العملية العسكرية التركية مع الجيش السوري الحر لن تتوقف عند حدود تحرير عفرين، بل ستتواصل لتحرير منبج ومدن أخرى شرق الفرات أيضاً، في القامشلي ورأس العرب وحتى الحدود العراقية. فتركيا لا تخفي أهدافها وغاياتها ولا خططها العسكرية، ولا تخفي شروطها لوقف عملياتها العسكرية في سوريا، فمنذ أغسطس/آب 2016 دخلت في عملية «درع الفرات» وقالت إن أهدافها أن تصل إلى عفرين وما بعدها. وها هي قد وصلت إلى عفرين، وما بعدها ليس البقاء في عفرين ولا تثبيت وجود عسكري لها، وإنما تطهيرها من أيدي الارهابيين الذين دخلوها قبل أربع سنوات بحجج واهية، فسيطروا عليها بقوة الجيش الأمريكي، وقاموا بطرد أهلها منها بمساعدة أمريكية أيضاً؛ فالمهمة التركية الأولى هي تمكين الجيش السوري الحر والمجالس الإدارية المحلية على إدارة شؤون عفرين والمنطقة، وإعدادها وإعمارها لإعادة سكانها الفارين منها من داخل سوريا ومن تركيا أيضاً، فالوجود العسكري التركي في عفرين وغيرها سيكون مؤقتاً واضطرارياً فقط.

والعقبة التي تقف أمام تحرك الجيش التركي والجيش السوري الحر لتحرير باقي المناطق التي يتواجد فيها الإرهابيون، من وجهة نظر تركيا، من حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب هي العقبات الأمريكية حسب خطط وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لمستقبل تواجدها العسكري فيها، وكذلك لمشروعها السياسي لتقسيم سوريا في الحل السياسي الجاري التحضير له بين الدول الخمس اللاعبة في سوريا وهي أمريكا وروسيا وإيران و”إسرائيل” وحكومة الأسد. فأمريكا مضطرة بعد تحرير عفرين إلى التوصل إلى تفاهمات أو اتفاقيات مع تركيا، تؤمن الأمن القومي التركي أولاً، ولا تعيق مشاريعها في سوريا، وبالتأكيد فإن أمريكا على درجة عالية – وإن لم تكن كاملة – على تفاهمات مع روسيا في سوريا، وبدرجة أقل على تفاهمات مع إيران، وبدرجة أكبر مع حكومة الأسد، وبدرجة أكبر منها مع الحكومة “الإسرائيلية”، وهي بالتالي مع جدية المواقف التركية مطالبة أن تصل إلى اتفاق مع تركيا لكي لا يقع الصدام بينهما. فمن المفترض أن تكون تركيا من الدول المحسوبة على أمريكا في سوريا من وجهة نظر غربية والعضوية المشتركة في حلف الناتو أيضاً، ولكن أخطاء أمريكا مع تركيا هي سبب الاختلاف بينهما الآن، فعدم أخذ أمريكا مخاطر الأمن القومي التركي بعين الاعتبار لا يمكن السكوت عليه من تركيا، والمسؤولون الأتراك أسمعوا نظرائهم الأمريكيين الخطوط الحمراء للأمن القومي التركي في السابق، وتحديداً رفضهم تسليح حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د)، وعدم تمكينه من السيطرة على المدن السورية المحاذية للحدود التركية، مهما كانت الأسباب، بما فيها حجة طرد «تنظيم الدولة» (داعش) من هذه المدن. لقد كان الرد التركي بإمكانية طرد «داعش» بالتعاون بين تركيا والجيش السوري الحر والدعم الأمريكي، ولكن البنتاغون رفض الرؤية التركية وعمل على تمكين حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) لطرد «داعش» وطرد السكان الأصليين لهذه المدن. إن طرد السكان الأصليين بمساعدة أمريكا أكد المخاوف التركية والعربية والروسية والإيرانية بأن أهداف البنتاغون إيجاد كيان انفصالي باسم الأكراد شمال سوريا، ليخدم هدفين لأمريكا سياسي وعسكري، فالهدف الأمريكي السياسي تقسيم سوريا، وإقامة دولة فيدرالية باسم الأكراد، والهدف الأمريكي العسكري إقامة قواعد عسكرية كبرى لأمريكا في هذه الدويلة الانفصالية.

لقد تعاونت إيران من خلال حرسها الثوري مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (ب ي د) وعملت على تسليحه لخدمة أهدافها في سوريا، وكذلك عملت روسيا على دعم (ب ي د) سياسياً وفتحت له مكتباً سياسياً في موسكو، وحاولت الاستفادة منه في تثبيت نفوذها في سوريا، ولكن أمريكا كانت صاحبة النصيب الأوفر بتجنيد حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياته لتحقيق أهدافها في سوريا، وهذا ما جعل روسيا وإيران تتراجعان عن دعمه أولاً، وتتفهمان للموقف التركي المؤقت في سوريا، والسكوت عليه إن لم يكونوا مساندين له، فتوسيع النفوذ الأمريكي في سوريا على أيدي الأحزاب الكردية لا يرضي روسيا ولا إيران، وبالأخص إقامة قواعد عسكرية كبرى لأمريكا في سوريا، فهذا سوف يضر بالنفوذ الروسي والإيراني معاً، وأمريكا لم تكن تستطيع خداع الأحزاب الكردية للعمل في مشروعها إلا بوعودها الوهمية بإقامة كيان سياسي لهم شمال سوريا، سواء كان فيدرالياً داخل سوريا، أو دولة مستقلة لاحقاً، وقد ساعدت أمريكا على تطهير ديمغرافي من السكان العرب السوريين من المدن التي يسطر عليها (ب ي د) بحجة طرد «داعش». ومن الأدلة على ذلك أن أمريكا لا تزال ترفض إعادة السكان الأصليين إلى مدنهم السورية بعد طرد «داعش»، كما تعارض دخول القوات التركية والجيش السوري الحر إلى منبج، بينما تركيا تعلن موقفها وشروطها للتفاهمات مع أمريكا حول منبج وما بعدها.

إن تركيا في عمليتي «درع الفرات» و»غصن الزيتون» وإن كانت تدافع عن نفسها وشعبها وحقوقها الأمنية بالدرجة الأولى إلا أنها وجدت نفسها مضطرة للعمل ضد المشروع الأمريكي شمال سوريا، فلا يحق لأمريكا أن تتحرك في سوريا بما يضر بالأمن القومي التركي، وتحرك الجيش التركي في شمال سوريا وتقديم الدعم العسكري للجيش السوري الحر لا يهدف للاصطدام مع أمريكا، وإنما منع الأحزاب الكردية الإرهابية إقامة كيان انفصالي على حدودها أولاً، وتمكين الشعب السوري من البقاء في مدنه وحكمه لها ثانيا، فالأخطاء الأمريكية لو قامت بها روسيا لقاومته تركيا، وكذلك لو قامت به إيران لقاومته تركيا أيضاً، فالصدام مع أمريكا غير مقصود بعينه، وإنما الهدف منع إقامة كيان إرهابي جنوب تركيا، فإما أن يتم ذلك بالشروط السياسية التي توافق عليها تركيا مع أمريكا، أو أن تضطر تركيا لمواصلة عملية غصن الزيتون في منبج وما بعدها، وأمريكا لن تستطيع المواجهة العسكرية مع تركيا، ولا تستطيع أن تفرض رؤيتها للحل السياسي في سوريا بدون أخذ الموقف التركي بعين الاعتبار، هذا ما ينبغي أن تفهمه أمريكا أو تتفهمه، وأن تعمل على وضع اتفاق مع تركيا حوله.

إن شروط تركيا للتعاون مع أمريكا ممكنة في منبج، وقابلة للتحقق، فالشرط الأول أن تخرج قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) من منبج، وأن يكون لتركيا تواجد عسكري يضمن أمن منبج وحكمها من سكانها الأصليين ثانياً، ولتحقيق ذلك لا تمانع تركيا أن يكون هناك تواجد أمريكي في منبج لاعتبارات استراتيجية، ولكن أن يبقى ذلك لحين تأمين مجالس محلية لحكم منبج من أهلها. فإذا وافقت أمريكا على ذلك وتحقق ذلك عملياً في منبج وغيرها فإن تركيا لن تضطر للدفاع عن نفسها بالقوة العسكرية، ولكن عدم موافقة أمريكا على ذلك، أو إصرار البنتاغون على التمسك بخططه الخاطئة فإن ذلك مدعاة إلى خلافات أوسع بين تركيا وأمريكا لن تكون بأي حال من الأحوال لصالح العلاقات الاستراتيجية التركية والأمريكية.

وما يمكن أن يبشر بخير هو قناعة الإدارة الأمريكية بأن خطط الجنرالات الأمريكيين لا يمكن أن تفرض واقعا ديمغرافيا جديداً في شمال سوريا، فتفاهمات وزير الخارجية التركية جاويش أغلو مع وزير الخارجية الأمريكي السابق تيلرسون في نهاية الشهر الماضي أقرّت بأحقية السكان الأصليين بحكم مدنهم وقراهم، ورفض التغيير الديمغرافي القسري، فتركيا من ناحيتها تريد تسليم عفرين ومنبج لمجالس حكم محلية من سكانها الأصليين كما فعلت بعد عملية درع الفرات، وهو ما تطالب به في منبج قبل التحرك العسكري، فنسبة الكرد في منبج لا تزيد عن 3%، بينما تزيد نسبة العرب السنة عن 90%، فإذا كانت أمريكا قائدة العالم الحر وحقوق الإنسان، فلا ينبغي لها أن تستغل الأزمة في سوريا لصناعة تركيبة سكانية مغايرة للوضع الأصلي للشعب السوري، ولا إقامة قواعد عسكرية على أراضيه دون موافقته ومخالفة للقانون الدولي.

كاتب تركي

القدس العربي

عن محمد زاهد جول

wavatar
كاتب وباحث تركي

شاهد أيضاً

rodwan-zeyadah-42

كيف انهار “الجيش العربي السوري”؟

كان قرار النظام السوري مبكراً في زجّ الجيش النظامي في أتون “النزاع” السياسي، المعبر عنه …