m-kazar-almajali-66
الرئيسية / فكر ودعوة / “ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون”

“ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون”

ما من يوم جمعة إلا ويسمع معظمنا قول الله تعالى: “يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون”، فهي آية جامعة في التقوى وحقيقة الرجوع إلى الله تعالى، فقد قرن الله سبحانه بين حق التقوى وما ينتظر الإنسان من موت لا شك فيه، وما بعد الموت أعظم، فهي دعوة للنفس أن تعي حقيقة أمرها، وأن تتبصر حقائق الأشياء لا مجرّد ظواهرها، وأن يحاسب أحدنا نفسه بعيدا عن مدح المادحين، فهو أعلم بنفسه من غيره، كما قال الله تعالى: “بل الإنسان على نفسه بصيرة”.

وبعيداً عن التفصيل في آراء العلماء في قوله تعالى (حق تقاته)، إلا أننا نفهم أنه الموضع الوحيد الذي جاء هكذا في سورة آل عمران، فعادة يكون الأمر بالتقوى مقترنا بشيء يلفت الله سبحانه نظرنا إليه، مثل قوله: “يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين”، وقوله: “اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد”، وهكذا، أما حق التقوى فجاء في سورة آل عمران بعد النهي عن طاعة ولو فريق من أهل الكتاب، فطاعتهم تسبب ردة عن الدين: “يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين، وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله، ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم، يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…”.

فالآيات تتحدث عن ذاك الخبيث شاس بن قيس اليهودي الذي حسد المسلمين على ما هم عليه من الأخوة والتعاون والمحبة، خاصة الأوس والخزرج، فكان ما كان من إنشاد أشعار تذكرهم بحروبهم في الجاهلية، وهب القوم للحرب بينهم لولا أن الله لطف بهم، وجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: “أبدعوى الجاهلية وأنا بين ظهرانيكم؟ دعوها فإنها منتنة”، وأنزل الله هذه الآيات، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالمطلوب من أجل أخوة المسلمين وشدة العلاقة بينهم والمحبة والولاء بينهم أن يكونوا في أعلى درجات التقوى.

قال بعضهم في حق التقوى: أن يُطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا ينسى، ويُشكر فلا يُكفَر، ولكن الذي أريد تسليط الضوء عليه هو الشق الآخر من الآية (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، أيختار أحدنا كيف يموت؟ فمعظم الناس ربما يكون جوابهم: لا، ولكن الآية واضحة في أن أحدنا يختار كيف يموت، إذ أسند الله سبحانه كيفية الموت إلينا نحن، والله سبحانه يوفق العبد لما كان عليه، فلا يمكن أن تكون إرادته تعالى منافية لما التزم به العبد طاعة لله تعالى.

أما قوله تعالى: “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة”، فلا يتناقض مع إرادة العبد التي يكون مصيره بناء عليها، إذ هو مكلَّف مختار مسؤول عن عمله، فالآية هنا مبشِرة برحمة الله تعالى أنه يثبت عباده الصالحين الذين ساروا على منهجه فاختاروا طاعته، فهنا يبشرهم الله أنه يؤيدهم ويثبتهم عند الموت وفي القبر عند السؤال.

وكذلك نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها”، فالله تعالى لا يخدع المؤمن أبداً، ولا يتناقض (الكتاب) الذي هو القدر هنا بحال المؤمن، فنفهم الحديث أن أحدنا يعمل بعمل أهل الجنة (فيما يظهر للناس)، وإلا فنيته وحقيقة أمره غير ذلك، فلا يبقى على حال الخداع هذه، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. أما الحالة المعاكسة، فهو يعمل بعمل أهل النار، ولكن في قلبه إيمان، وربما هو يحب أن يتوب، فتدركه ألطاف الرحمن سبحانه، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.

والمهم أن أحدنا يستطيع أن يختار كيف يموت من خلال عمله وقناعاته وصبره واستعانته بالله تعالى، فمن يتوكل على الله فهو حسبه، والله مع عبده المؤمن المحسن: “إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون”، “ومن يعتصم بالله فقد هُدِي إلى صراط مستقيم”، ولا يمكن أن يسير العبد في طاعة حقيقية وفي استقامة ثم يسلبه الله إيمانه أو يخدعه، هذا محال على الله تعالى الرحمن الرحيم الذي هو أشد فرحا بتوبة العبد من العبد نفسه.

روي أن عمر بن عبد العزيز يوماً سأل أبا حازم الموعظة، فقال له‏:‏ إذا نمت فضع الموت تحت رأسك، وكُلّ ما أحببت أن يأتيك الموت وأنت عليه مصرّ فالزمه، وكُلُّ ما لا تريد أن يأتيك الموت وأنت عليه فاجتنبه، فربما كان الموت منك قريباً‏. وهذه حقيقة ينبغي أن يفهمها العصاة الذين يتساهلون في أمر المعصية، صغرت أم كبرت، حين يؤجلون التوبة بحجة أن الله غفور رحيم، فصحيح أنه كذلك، ولكن الخطورة في أن يغويك الشيطان فتتلذذ بالمعصية، وربما تستحبها وتنكر أنها حرام، فتدخل في أبواب الكفر وأنت لا تدري، فمن هنا حث الله تعالى عباده على الاستغفار واستشعار مراقبة الله تعالى، وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يستغفر الله في اليوم مائة مرة، وهو يعلم أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ليعلمنا أهمية الاستغفار والإنابة إلى الله تعالى.

نحن ضعفاء أمام الشهوات والمغريات، وأما الشبهات التي نتبعها فنضل ونتيه، رحمة الله واسعة، ومن المحزن –كما قيل- أن الجنة عرضها السماوات والأرض، ولكن ليس لك مكان فيها، فاللهم لطفك ورحمتك.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

rodwan-zeyadah-42

كيف انهار “الجيش العربي السوري”؟

كان قرار النظام السوري مبكراً في زجّ الجيش النظامي في أتون “النزاع” السياسي، المعبر عنه …