m-kazar-almajali-69
الرئيسية / فكر ودعوة / “أفَمَنْ يمشي مُكِبّاً على وجْهِهِ أهْدى أمَّن يمشي سَوياً على صراط مستقيم”

“أفَمَنْ يمشي مُكِبّاً على وجْهِهِ أهْدى أمَّن يمشي سَوياً على صراط مستقيم”

يا لها من مقارنة، ويا له من استفهام إنكاري موجه لأولئك الذين اختلطت عليهم المبادئ والقيم، فراحوا يساوون بين المخطئ والمصيب، والضال والمهتدي، والحق والباطل، ويا له من عمى حقيقي يصل بالناس إلى هذا المستوى، بل أعظم منه، حين يعدون الضال الهائم على وجهه أهدى من الذي يمشي سويا على صراط مستقيم.

حين يكون الخلل في الموازين عموماً فهي كارثة حقيقية، مادية كانت أم معنوية، وهناك من يمارس هذه المفاضلة الظالمة علنا وبلا حياء، وبتآمر واضح على القيم والدين والفكر، فهذا الانعكاس والانتكاس يحرفان القيم عن الجادة، فما هو متعارَف عليه أنه ضلال يشككون فيه، فلعله أفضل، وما كان متعارفاً عليه أنه حق فربما -حسب مقاييسهم- هو ضلال مبين، وربما يحارَب أهله وينكَّل بهم، فقد قضى سيف عدل الفكر الحديث المحرَّف في عقول بعض من تحكّموا في توجيه الأمة أن هؤلاء ضالون مجرمون عابثون بالأمة وأمنها وفكرها وقيمها.

لا نستغرب مثل هذا، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه سيأتي زمان على أمتي تأمر فيه بالمنكر وتنهى عن المعروف، فلكم أن تتخيلوا كيف انقلبت القيم حينها، وما الذي أثّر فيها حتى تكون في هذا الحال المقيت المؤلم.

من هنا كان من الضرورة أن يستلم أمانةَ الحكم ثقات أمناء حريصون على مقومات أمتهم وتراثها وأسس نهضتها، وأن يكونوا على وعي بما يخططه أعداؤهم، فالحق في بيئة الأمة المسلمة هو هذا الدين، وقد حفظ الله تعالى أسسه من قرآن وسنة، هما وحْيان أنزلهما الله تعالى على خاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم: “ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه”، وهي أمة الخير وإن انتكست في بعض الأزمان وزماننا هذا، منهجها محفوظ: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”، “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد”، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، وهو الحاث على النهضة والحضارة، فخمس آياته تتحدث عن قضايا وظواهر وأمور علمية، بعضها لم يكتشفه العلم إلا حديثا، وربما هناك كثير منها لم يتم اكتشافه حتى الآن.

أقدّم بهذه المقدمة كون بعض الناس تأثروا، وربما انبهروا بمدنيات تألقت وتقدمت، ولنا أن نعترف بهذا، بينما أمة الإسلام متأخرة متناحرة منقسمة، ومع هذا فلا نبالغ إن قلنا إن المسلمين قدموا للحضارة الإنسانية ما لا يمكن إنكاره، وهي تعيش مرحلة أريد لها أن تعيشها تخلفاً وانتكاساً وفرقة، ومع هذا فالمدنية الغربية نجحت في مجالات وأخفقت في أخرى، فلم تسعد الإنسان السعادة الحقيقية الراقية، وما قد يظهر إعلامياً يخالفه واقع كئيب تشكو منه معظم البلدان، وما تزال هناك أصابع تتحرك عالميا لخراب الدول والاقتتال بينها، وتهديد أمنها وسلمها، ولو بتجييش بعض المسلمين لإظهار الخوف من الإسلام الذي ينتشر بسرعة في بلادهم على وجه التحديد، فأحدثوا وخططوا لهذه الفوبيا من انتشار هذا الدين وتشويه صورته.

مصيبة أمتنا أنها لا تقرأ، وإذا قرأت تنسى، ولا تعتبر بماض بعيد ولا قريب، فمنذ مدة بسيطة تنشر وسائلهم الإعلامية الغربية نفسها عن توريط المسلمين في كثير من الأحداث الدموية، وهناك تصريحات موثقة حول من أنشأ داعش مثلاً، ومع ذلك تُستهلك طاقاتنا، ويقنعوننا بأن هؤلاء مسلمون، وندفع جميعا ضريبة الدفاع عن ديننا، إلى أن نصل إلى مرحلة نشكك في مقومات هذا الدين وأسسه، ليتخلى الناس عن دينهم بطريقة غير مباشرة، حيث الهزيمة الروحية، وتتبعها الهزيمة في الالتزام؛ إذ يُعَد الالتزام بحد ذاته مشكلة ينبغي علاجها، بل مطاردتها.

في ظل هذه الانتكاسة يصبح الالتزام تهمة، وتعليم القرآن إرهاباً، ومجرد الحديث عن الجهاد تطرفا، وإن طالبت بالحجاب فهو تخلف ومصادرة لحقوق المرأة، وإن طالبت باحترام المشاعر الإسلامية عموما، وفي رمضان خصوصا، فهي أمور تتصادم مع الحرية الشخصية، فكيف بالله عليكم لو قلنا إننا مطالبون بتحكيم شرع الله؟! هنا ستقوم القائمة، وسينطق بعض المسلمين الذين يسمون أنفسهم (حداثيين) مستنيرين، فهذا يشكك في أحاديث لمجرد مخالفة رأيه، وذاك يستحيي من أحكام العقوبات أو بعضها، وهي في الأصل ردع وأمن، ولكنه قصر النظر، ومجرد البحث في قشور المسائل لا لبّها، ولا أستبعد الهوى ومواكبة آراء الآخرين ومجاملتهم على حساب الفهم الصحيح، والقواعد التي ينبغي مراعاتها في الاجتهاد.

ولا يعني هذا بحال أن نجمد ولا نطور أنفسنا، ولا نراجع مسائل كثيرة قد يكون الاجتهاد فيها خطأ، ولكن لا بد من الالتزام بالمنهج الصحيح في معالجة الأمور، وشتان بين من يمشي في حياته مكباً على وجهه، ومن يمشي سوياً على صراط مستقيم.

لو أردنا أن نتبع آراء كل ناعق بمشكلة وشبهة لهلكنا وتشتتنا، ولتمزق الدين، فقد قص علينا القرآن قصص أقوام كثر كذبوا رسلهم رغم وضوح المعجزات والبينات، ولكنه العناد والكبر. وإننا نعتقد جازمين أنه شرع الله، وهو صحيح، وهو الصراط المستقيم، وربما نحن أول من نتآمر عليه، فنتنازل عن ثوابتنا، ونقدم آراءنا عليه، ونهرب من الالتزام به، ضعفا منا، أو شعوراً بأنه ما عاد صالحاً لواقعنا، مع أن الأيام والحوادث والواقع كل ذلك يشهد بسلامة المنهج واستقامته، فالعلة فينا لا فيه.

دعوة إلى الفهم الصحيح، والنظرة الواقعية في حقائق الأشياء لا مجرد ظاهرها، وقبل أن نعيب نصاً قرآنياً فلنتهم فهمنا وعقولنا، فكم من عائب قولاً صحيحاً، وآفته من الفهم السقيم، وكم من نظرة جزئية أخلت بالفهم، وكم من هوى ركب رؤوس أصحابه، فضلوا بسببه ضلالاً مبيناً.

الغد الأردنية

عن أ. د. محمد خازر المجالي

wavatar
كاتب وأكاديمي وداعية إسلامي أردني

شاهد أيضاً

rodwan-zeyadah-42

كيف انهار “الجيش العربي السوري”؟

كان قرار النظام السوري مبكراً في زجّ الجيش النظامي في أتون “النزاع” السياسي، المعبر عنه …