بقلم: الأستاذ أسامة محمد الحمصي

مقدمة:

“الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” القائلِ في مُحْكمِ التنزيل: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب: 6].

والصلاة والسلام على سيّدِنا محمّدٍ عبدالله وحبيبه ونبيّه ورسوله إمام المرسلين وخاتم النبيّين عليهم الصلاةُ والسلامُ جميعًا.

ورضيَ اللهُ تعالى عن أزواجِه أمّهاتِ المؤمنين جميعاً.

وقد سماهنّ اللهُ عزّ وجلّ بهذا؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: ((وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) [الأحزاب:6]، وحرَّم اللهُ نكاحَهنّ بَعدَه، كما في قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)) [الأحزاب:53].

ومِنْ أكرم الأعمال وأفضلها وأجلّها الكتابة عن سيرة أزواج النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم أمّهات المؤمنين رضي اللهُ عنهنّ، فسيرتهنّ ارتبطت بسيرة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم وسيرتهنّ جزء من سيرته.

وما أسعد الأوقات الشائقة التي أمضيتُها وأنا أبحث في المصادر والمراجع لأكتب عن سيرة أمّهاتنا رضي اللهُ عنهنّ جميعًا، فتلكم السعادة أعجزُ عن وصفها، فهي واسعة عظيمة، عميقة الأثر، طيّبة الثمر، وأرجوها لكلّ مؤمن ومؤمنة.

كيف لا؟! فهنّ القُدْوات الصالحات للمؤمنين والمؤمنات، وفي سيرتهنّ الأعمال الرائعات والمواقف الشامخات، فهنّ للأمّة نِعم الأمّهات المُربّيات الداعيات، وقد بَنينَ لنا فنِعم ما بَنَيْنَ ونِعم البَانِيَات.

((مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ)) طائعاتٍ للهِ تعالى ورسولِه صلّى اللهُ عليه وسلّم. ولكلّ منهنّ خصائص وميزات.

قد اجتمع لهنّ فضل الصُحبة، وفضل الزوجيّة؛ بكونهنّ أزواجًا له صلّى اللهُ عليه وسلّم، وأنّهنّ أزواجه في الآخرة. والتَرَضِّي عنهنّ دليلٌ على الاعتراف بفضلهنّ، والإيمان بفضائلهنّ، ومعرفة قدرهنّ؛ رضي اللهُ عنهنّ.

فإنْ أرَدنا أن نتفيّأ ظلالًا وارفات، وجنّات ذوات أفنان، ورَوْح ورَيحان، فلننهل مِنْ سيرة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم وأزواجه أمّهات المؤمنين العفيفات الطيّبات الطاهرات المُطَهّرات رضي اللهُ عنهن جميعًا.

جاء في الأساس في السنة وفقهها لسعيد حوّى – السيرة النبوية:

(لمحة عامّة عن أزواجه وسراريه عليه الصلاة والسلام، قال المباركفوري:

معلومٌ أنّ النبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلّم كان مُمْتازاً عن أمّته بحلّ التزوّج بأكثر من أربع، لأغراضٍ كثيرة … وعدَدُ مَنْ تزوّج بهنّ الرسولُ صلّى اللهُ عليه وسلّم، وبنى بهنّ إحدى عشرة سيّدة) بتصرف.

وكانتْ نساءُ النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم يرافِقْنه في أسفاره وغزواته ويخرجن معه.

فعن عَائِشَةَ أمّ المؤمنين زَوْج النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضيَ اللهُ عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.

وهذا عند حديثها عن حادثة الإفك.

وكانت أمّهات المؤمنين يَنقُلن إلى الأمّة الأحكامَ الشرعيّة بوضوح وتفصيل ودقّة، وذلك بحُكْم صُحبتهنّ للنبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم واطّلاعِهنّ على حياته عن كَثَب، في حلّه وترحاله.

إذ كانت حجرة كلّ واحدة منهنّ مشكاة يفيض نورها هدىً ورحمةً وسعادةً للعالمين.

وقد أنزل الله سبحانه بحقّهن آيات كريمات، قوله سبحانه وتعالى:

((يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34))) [الأحزاب].

وبمناسبة هذه الآيات، وأنّ أمّهات المؤمنين رضي الله عنهنّ هنّ مِنْ أهل بيت النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، جاء في الأساس في التفسير لسعيد حوّى:

(رأينا في تفسير قوله تعالى: ((إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ)) أنّ هذه الآية تدل على أنّ أزواجه عليه الصلاة والسلام مِنْ أهل بيته، وكونها في أزواجه عليه الصلاة والسلام لا يعني أنّ آل البيت هنا لا يراد بها إلا أزواجه عليه الصلاة والسلام. فكلمة آل البيت كلمة أعمّ، وسياق ورودها هو الذي يحدّد ما يدخل فيها.

وفي هذه الآية قال ابن كثير: “وقوله تعالى: ((إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ …)) نصّ في دخول أزواج النبي صلّى الله عليه وسلم في أهل البيت هاهنا؛ لأنّهنّ سبب نزول هذه الآية …). بتصرف.

ولأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ  مَنْقَبَةٌ جليلةٌ، وذلك بِاخْتِيَارِهِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ حين نزلت آيتا التخيير (28 و 29) من سورة الأحزاب.

وهنّ على الترتيب حسب زواجه بهنّ:

خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ هند بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَةُ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ رملة بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَصَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْخَيْبَرِيَةُ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ، رضي اللهُ عنهنّ جميعًا.

منهن ستّ زوجات مِنْ قريش، وهُنَّ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ، وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ رملة بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ هند بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ.

ومِنْ غير قريش أربع عربيات، وهنّ: زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَةُ، وَجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ.

ومِنْ غير العربيّات: صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ الْخَيْبَرِيَةُ من بني النضير. وهي سيّدة من سيّدات قريظة والنضير.

ومات صلّى اللهُ عليه وسلّم وفي عصمته تسع نسوة، إذ ماتت في حياته صلّى اللهُ عليه وسلّم خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وزَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ الْهِلَالِيَّةُ، رضي اللهُ عنهما.

وأوّل أزواجه لحوقًا به زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الْأَسَدِيَةُ، وآخرهنّ وفاة أُمُّ سَلَمَةَ هند بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، رضي اللهُ عنهنّ جميعًا.

وسأتحدثُ هنا عن سيرة كلّ واحدة من أمّهاتنا أمّهات المؤمنين بما ييسر اللهُ سبحانه، فلربّما توسّعتُ في الحديث عن إحداهنّ واختصرتُ بإيجاز عن بعضهنّ، وذلك حسبما يتوافر بين يديّ من مراجع تكلّمتْ عن سيرتهنّ وحياتهنّ، وفي البعض ما يغني عن الكلّ.

وقد تجنبتُ ذكر ما فيه خلاف بين المؤرخين وغيرهم فيما يخصّ سيرة أزواجه صلّى اللهُ عليه وسلّم، واستشهدتُ فقط بما صحّ عند المحدثين في ذلك.

وبالمناسبة:

رُوي عن سيّدنا عمر بن الخطّاب فاروق الأمّة الخليفة الراشد العادل رضي اللهُ عنه، وهو الذي أزال دولةَ فارس ، قوله:

إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم يَقُولُ: “كُلُّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سَبَبِي وَنَسَبِي” رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

وحسْبُ أمّهات المؤمنين جميعهنّ أنّهن أزواج النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم في الدنيا والآخرة، وأنّ الله سبحانه سمّاهنّ أمّهات المؤمنين.

فهنيئًا لهنّ تلكم المنزلة، ومباركة لهنّ تلكم التسمية.