الإخوان المسلمون في سورية

الإخوان المسلمون.. مسيرة قرن

إنها رحلة قرن للجماعة، ثبتت فيها أقدام الخير في تربة خيرة؛ فمن مصر الأم إلى سورية والشام والعراق، أرست الجماعة قواعد عمل ودعوة إلى النهوض بكل وسيلة، لا تتجاوز الحكمة والسِّلم والكلمة الطيبة، وبذلك كلّه حققت الجماعة حضوراً فاعلاً وانتشاراً واسعاً، كانت خريطته شاملة كل الدول العربية والإسلامية والأسيوية، ولم تزهد بالحضور المؤثر في دول الغرب الأوروبي والأمريكي.. ولم يكن ما حققته الجماعة يزهو بمسيرة تحدوها الزهور بعطرها، أو الرخاء والأمن والأمان مزجىً، تعبئ منه النفوس بسلاسة ونعومة..

(1) من (2)

1- تهميد

 

بعد أن أطل العقد العاشر من مسيرة الجماعة بخطى حثيثة صوب ترسيخ معاني الحب والتفاهم بالتي هي أحسن، في فيافي ضربت الكراهية والغطرسة في أجران الأرض لها أوطاناً وأعلاماً وسدنة، وقد حوصرت تلك المسيرة على مدى قرن من الزمان تقريباً، من قبل سدنة الكراهية والغطرسة وخدّامهم في الأمة، ممّن باعوا واشتروا بمصيرها وكرامتها وحقوقها ومكانتها، من حكام ونخب سعوا لإيجاد قامات لهم، مع قدوم الزحف الأسود. وكما قال الشاعر الحمصي:

 

حتى الكلام تشقق بعد طلاء الوجوه

تغير طعم الحليب، زمانٌ من الوجل القبلي

وتنأى عن الماء الفرات كل المطايا

 

2- وتمضي الفصول

 

إنها رحلة قرن للجماعة، ثبتت فيها أقدام الخير في تربة خيرة؛ فمن مصر الأم إلى سورية والشام والعراق، أرست الجماعة قواعد عمل ودعوة إلى النهوض بكل وسيلة، لا تتجاوز الحكمة والسِّلم والكلمة الطيبة، وبذلك كلّه حققت الجماعة حضوراً فاعلاً وانتشاراً واسعاً، كانت خريطته شاملة كل الدول العربية والإسلامية والأسيوية، ولم تزهد بالحضور المؤثر في دول الغرب الأوروبي والأمريكي.. ولم يكن ما حققته الجماعة يزهو بمسيرة تحدوها الزهور بعطرها، أو الرخاء والأمن والأمان مزجىً، تعبئ منه النفوس بسلاسة ونعومة..

 

إنها رحلة امتدت منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى اليوم (العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين) رحلة كما حفتها لحظات قليلة من الأمان، فإنها كانت معظم الوقت تواجه المشانق والمعتقلات والمنافي وشتى المفتريات على أشخاصها ومبادئها وسلوكياتها، من قبل أنظمة إنقلابية عسكرية، لا تملك أية شرعية تذكر، بل هي إرهابية بامتياز، تُسْقِط ما تقترفه من إرهاب الأنظمة الإنقلابية، على كل من يخالفها الرأي أو يحاول تصحيح الخطأ، وعلى الأخص جماعة الإخوان المسلمين.

 

ومع أن الإخوان المسلمين ظلوا على مدى مسيرتهم التي قارب حضورها القرن من الزمان المعاصر، ينفون عن أنفسهم تهمة الإرهاب قولاً وعملاً، فإن عدم وجود تعريف دولي للإرهاب متفق عليه أممياً ترك المجال للأمزجة وللتلاعب السياسي والنفاقي في توجيه التهمة لمن لا يعجب رأيه وتوجهه هذا النظام أو ذاك، أو هذه الإيديولوجيا أو تلك، أو هذا التوجه السياسي والمصلحي أو ذاك، أو هذا الكاتب أو ذاك.

 

وقد بيّنا في مقال سابق ونقلنا جانباً من أدبيات الإخوان ومواقفهم، التي توضح رأيهم بالإرهاب واستخدام هذا المصطلح وتوظيفه (براغماتياً) بشكل لا تؤيده الوقائع ولا الأحداث، ولا تستوعبه قوانين دولية أو محلية، ولا تؤيده بنود حقوق الإنسان المحلية والدولية ولا حتى مصالح من يوجهون الاتهام، وإنما هي مناكفات لا تعتمد إلا توجهات لفئات هيمنت على مقدرات أوطان، أو أفكار تكونت في قيعان فكر الكراهية والهيمنة والغطرسة والعرقية المتعالية المتعجرفة، ومن خلال اليد العليا لهؤلاء سياسياً وعسكرياً ومالياً، توجه الظلم والظلام لهدم كيانات وثقافات، ولمحاربة لغات الحق وخبز المساكين وخصوصيات الآدميين، ولإنكار وجودك أيها الإنسان الآخر. لا تفهم لكناتهم الغامضة التي أرهقت الفهوم، واعتلت صهوات الأقبية، وخنادق الغارات المدبرة للفصائل المصنوعة على أعينهم؛ خدمة لبرامج الاتهام وتضليل المقتولين وإقناعهم بأنهم القتلة.

 

ورغم كل ما لاقاه الإخوان المسلمون من إقصاء وتهميش واعتقال وتعذيب وقتل واتهام على مدى ثمانين عاماً، فإنهم ظلوا يلتزمون بالسلمية والتعايش واللقاء والحوار، ملخص ذلك يتمثل بما قاله أحد الشعراء المعاصرين، مخاطباً الآخر الإنسان:

لِمَ لا تبقى معي؟

لِمَ لا أبقى معك؟

لِمَ لا نبقى معاً؟

 

3- الإخوان والنهج

 

وانطلاقاً من هذا المعنى في اللقاء الإنساني، القائم على الحوار والتفاهم والتعايش بلغة لا تخاف الآخر ولا يخافها الآخر. استقر الفكر الإخواني؛ فلا عنف، ولا إرهاب، ولا هيمنة ولا غطرسة، وهو منطلق رسمه الله في كتابه العزيز القرآن الكريم، وفي كل الكتب والصحف المنزلة إلى أنبياء الله. إذ قال جلّ وعلا: ((قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ… )) آل عمران (64)

 

وإنها لدعوة ربانية! انحاز لها الإخوان قولاً وعملاً، إيماناً واحتساباً، واتخذوا من هذا النهج سبيلاً لهم، من أجل أن تتحول النار التي يشعلها بعض المتغطرسين تحت لافتة الحرب على الإرهاب، الذي يصنعونه بتدبيرهم في كل أرجاء الدنيا إلى نور حواري هادف هادئ، يجعل من حروف الإنسان أرضاً مورقة ممرعة بالتفاهم والتعاضد، كي تمر أيام الإنسان عماراً وأمناً وأماناً وتعايشاً، قبل أن تتحول العواصم المكفهرة بفعل برامج أولئك الذين يَهْوَوْنَ الظلام إلى سرادقات عزاءٍ وبكاء.

 

4- نُقولٌ من تقرير نيويورك تايمز

 

الحركة الإسلامية المعاصرة، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، كانوا وما زالوا يقفون أمام تحدي سؤال النهضة وأدواته التي تحاور العصر وما فيه من إيجابيات وسلبيات باللغة والحركة التي تركب على مسنناته، وتساهم في إدراتها بإضافة فذة لا يمتلكها غيرها، يرتجى منها أن يستمع الجميع إلى لحنها المتميز، إلا أنه -للإنصاف- لم تحصل الحركة على حقها والوقت الكافي لممارسة خبرتها ومنهاجها والتجربة، ضمن جو أمني وسياسي مساعد على الممارسة بحرية، بل لم يَخلُ الجو العام من الخصوم الذين لا يريدون سماع حتى اسم الحركات، فهم دائماً في سبيلهم إلى قتل التجربة قبل أن تبدأ، وذبح الأمل وهو جنين. فالوصم بالإرهاب بدون برهان، والإقصاء الغليظ نصيب دعاة الإسلام، وحرمانهم من أن يكون لهم وجود مؤسسي معترف به ومتاح له الحركة ككل التوجهات الأخرى هو الصيغة المثلى للتعامل معهم، ليس الرسمي وحسب، بل والنخبوي أيضاً، وهاهم في واشنطن اليوم يعلنون أنهم يدرسون إمكانية اتهام الإخوان المسلمين بالإرهاب؛ تلبية لرغبات ومزاج الرئيس الأميركي (ترامب)، الذي يريد أن يلبي بدوره رغبة بعض دول الأعراب. بينما تقول دراسة قدّمها (أمين حبلا) للجزيرة نت ونشرت ورقياً بتاريخ 2/5/2019، ببث حي للموقع: “في مطلع عقدها العاشر، وبعد أن راكمت إنجازات امتدت طولاً على نحو قرن من الزمن، وامتدت عرضاً في بلاد شاسعة من العالم العربي والإسلامي والغرب، وامتدت عمقاً لتعيد تشكيل الأفكار والقيم وخريطة المذاهب الفكرية والسياسية لملايين المقتنعين بها عبر العالم، ها هي جماعة الإخوان المسلمين تواجه اختباراً آخر في سلسلة العقبات التي ظلت تزدحم في طريقها المكلّل بأشواك ودماء ومشانق وثورات وانتخابات”(1). ويقول التقرير في مكان آخر منه: “كثيراً ما سقطت (تهمة الإخوان بالإرهاب)، تحت ما يصفه قادة الجماعة بالأدلة والقرائن العديدة، التي تؤكد أنهم ضمن التيارات المدنية الساعية للديمقراطية في العالم العربي والإسلامي”.(2)

 

و في إشارة واضحة من التقرير إلى تسييس اتهام الإخوان بالإرهاب، ينقل التقرير كلاماً جاء في تقرير لصحيفة (نيويورك تايمز)، الذي كتبه مراسلها في الشرق الأوسط (ديفيد دي كيركباتريك)، فيقول تقرير الصحيفة: “إن جماعة الإخوان المسلمين ليس فيها وفي سلوكها ما يفي بالتعريف القانوني للجماعة الإرهابية، وأن الجماعة شجبت على نحو متكرر الإرهاب والعنف”.(3)

 

ويقول كاتب تقرير (الجزيرة نت): ” ظلوا (الإخوان) يؤكدون أنهم كانوا وما زالوا ابن آدم المقتول والمظلوم والمطارد والمشرد، وأن كل الأيدي التي راودتهم للاستفزاز والدفع إلى التطرف لم تزدهم إلا تشبثاً بالسلمية، رغم بحار الدم التي سبح فيها أبناء الجماعة وأنصارها في الميادين (العربية والإسلامية).(4)

 

كل هذه النقول، إنما توحي للقارئ أن توجه الرئيس (ترامب) لتصنيف الجماعة بأنها جماعة إرهابية إنما هو تسييس للقضية لترضية جهات عربية طالبت الرئيس بذلك، وتحقيقاً لتوجه ترامب لإرضاء الصهاينة ونتنياهو بالذات، وكذلك هو ترضية مزاجيته المعادية للإسلام وحركاته المعاصرة.

 

5- ونُقولٌ صديقة

 

وإلا، فأين موقع مقولات قادة ومفكري الإخوان التي تنفي عنها غبار الفِرى الباطلة المعبأة بالحقد والكراهية من هذا الاتهام والتوجه إليه بلا براهين ولا حقائق؟ أين منهم ما قاله منشئ هذه الجماعة وبانيها الإمام الشهيد حسن البنا، إذ قال في رسالة المؤتمر الخامس: “إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة، وأن وسيلتهم في ذلك تنحصر في تغيير العرف العام، وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم”.(5)

 

وقد بيّن طريقته وسبيله في حركته، والشخصية التي ستحمل الدعوة فقال منذ حداثته وهو طالب: “أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة، التي ترى سعادتها في إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم”.(6)

 

ومن رسالة المؤتمر الخامس، نقتبس تعريف الإمام البنا الشهيد للإخوان، بما ينفي نفياً باتّاً لأيّ توجّه عنيف أو إرهابي في فكرهم أو حراكهم إذ يقول:

 

“إن الإخوان المسلمين:

 

1- دعوة سلفية: لأنها تدعو إلى العودة إلى المعين الصافي القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

2- وطريقة سنية: لأن الإخوان يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة.

 

3- وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والحب في الله، والإعراض عن الخلق، والمواظبة على العمل.

 

4- وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم.

 

5- وجماعة رياضية: فالنبي صلي الله عليه وسلم يقول: (إن لبدنك عليك حقاً) ، وإن تكاليف الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج تحتاج إلى الجسم القوي السليم، وكسب العيش يحتاجه أيضاً.

 

6- ورابطة علمية ثقافية: فطلب العلم فريضة.

 

7- وشركة اقتصادية: فالإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه (نعم المال الصالح للرجل الصالح).

 

8- وفكرة اجتماعية: إذ إن الإخوان يعنون بأدواء المجتمع وعلاجها”.(7)

 

فهل جماعة هذا تعريفها والأساس القائمة عليه، من الممكن أن يوجه إليها أي إنسان فيه ذرّة من عقل نزيه خالٍ من أمراض سياسية وغيرها، تهمة العنف أو الإرهاب؟!

 

وعلى هذا النهج الرباني الذي أرساه الإمام البنا، بنت الحركة الإسلامية في الأقطار كلها نظرتها إلى التشدد والتطرف، ولنقرأ إذا أعوزنا المراء إلى مزيد من الاطلاع على نهج الجماعة، لنقرأ ما جاء في الوثيقة السياسية، التي أصدرتها الحركة الإسلامية في الأردن، بشأن موضوع التطرف والإرهاب، إذ قالت الوثيقة: “تؤكد الحركة الإسلامية أن التطرف والتشدد مرفوضان ومدانان شرعياً وأخلاقياً وإنسانياً، وأن أخطارهما تستهدف استقرار المجتمعات، وتهدد سلمها الأهلي، وأنهما مدخل منطقي للعنف والإرهاب… وتؤكد الحركة أهمية سيادة القانون، وضرورة قيام الجميع بدورهم في تعزيز السلم الأهلي، وتشدد على أهمية رفض العنف والإكراه وسيلة للتغيير أو التأثير السياسي… كما تؤمن الحركة بالحوار وسيلة حضارية لمعالجة الخلافات والوصول إلى مقاربات وطنية توافقية، وتتبنى الحركة مفهوم دولة المواطنة”(8).

 

فهل بعد هذا الوضوح الذي صاغته الحركة الإسلامية الأردنية بشأن نهجها السلمي القانوني والشرعي من وضوح ونصوع، ينفي كل إشكال في فهم المنهج الإخواني الإسلامي؟! إلا إذا أراده البعض مراء عقيماً، أو كيداً كريهاً، على مثال: (عنزة ولو طارت)، فلا يدسَّنّ أحد رأسه في الرمال، ثم ليقول متصنعاً الكراهية، أو كانت فيه أصيلة: الإخوان جماعة متطرفة إرهابية..!!

 

ويقول د. أمير بسام النجار في كتابه (ماذا تعرف عن الإخوان المسلمين)، ط1، 2015، دار عمار- عمان- الأردن/ ص56: “استطاع الإخوان المسلمون أن يظهروا وسطية الإسلام، ويدعوا لها، وبذلك حموا الفكر الإسلامي من الجمود ومن التطرف.. ووقفوا ضد دعوات تكفير المجتمع، وكان كتاب الإمام الهضيبي (دعاة لا قضاة) بارزاً في موقف الإخوان من فكرة التطرف والتكفير”.

 

ويقول أ.د. إسحاق الفرحان -رحمه الله- رداً على سؤال صحفي عن جدية الإخوان في قبول الرأي الآخر وفي التعددية السياسية: “إن مفهوم التعددية عند الحركة الإسلامية يتبلور في مجموعة من المظاهر، فالتعددية السياسية سمة أساسية لممارسة الديموقراطية، والتعددية الحزبية مظهر من المظاهر الديموقراطية الحديثة، كما أن حرية التعبير عن الرأي مظهر ثان من مظاهر الديمقراطية.. فنحن نؤمن بالتداول السلمي للسلطة”.(8)

 

وفي معرض تنديده بمداهمة منزل الأستاذ الدكتور عدنان الدليمي من قبل قوات عسكرية بأمر من حكومة إبراهيم الجعفري الطائفية في العراق ليلة الثاني من آب 2005، قال عضو المكتب السياسي للحزب الإسلامي العراقي (علاء مكي) (إخوان)- “إننا نستنكر هذا العمل الخاطئ الظالم، الذي لا يؤدي إلى وحدة العراق، والذي يؤثر على المشروع السياسي والتوازن بين أطياف الشعب العراقي”. وأضاف (مكي): “نخشى أن يؤدي هذا التصرف إلى ردة فعل غير متوازنة، في الوقت الذي ندعو فيه إلى الوحدة والحوار وتقارب وجهات النظر”.(9)

 

هذا هو النهج الإخواني في كل مكان؛ في مصر، في سورية، في العراق، في الأردن، في السودان.. إلخ.. لا يتغير: التفاهم بالحوار، والحرص على نبذ العنف، والدفع إلى طريق المشاركة والتعاون، بعيداً عن التطرف والعنف والإرهاب.

 

5- ورأي الرسميين

 

ولنعرج في هذا السياق على آراء قد تستغرب من البعض، إلا أن وضوح الرؤية السلمية المهتدية بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، المستنيرة بنور القرآن العظيم، العاملة بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن (الحوار) والرأي ينطح الرأي بالإقناع والتوادد والتشارك، فهذا الرئيس المصري الراحل (محمد نجيب) يقول: “الإمام الشهيد حسن البنا أحد أولئك الرجال الذين لا يدرك البِلى ذكراهم، ولا يرقى النسيان إلى منازلهم. لأنه رحمه الله لم يعش لنفسه، بل عاش للناس، ولم يعمل لمنفعته الخاصة، بل عمل للصالح العام”.(10)

 

ورئيس وزراء مصر (علي ماهر) يدلي بشهادته، والحق ما شهدت به الخصوم، فيقول عن البنا ودعوته: “زارني الفقيد (يعني الإمام البنا) الكريم مع بعض أصدقائه (إخوانه).. كان حديثه يشرح صدري، واسلوبه يشهد بموفور الثقافة الإسلامية والبصر بشؤون الأمة العربية، وبراعة المنطق، وقوة الحجة، وكان إلى ذلك شديد الإيمان بأنه يؤدي رسالة إنسانية سامية دعائمها: الإخاء والمحبة والسلام بين سكان البلد جميعاً”.(11)

 

6- ونُقولٌ محايدة

 

حتى الخصوم، ومن تعطيه نصحاً فينا ولك لَكْمَةً، يمر قليلاً في لحظات رجوع وإشراق، فينطق بحقيقة ما يختزنه داخله من نزاهة نائمة أغلب الوقت، فيقول الكاتب الأميركي روبرت جاكسون في لحظة نزيهة صادقة، واصفاً بها الإمام البنا ودعوته بعد أن جالسه وخبره، ولاحظ أمره وتراثه: “إنه رجل لا ضريب له في هذا العصر، لقد مرَّ في تاريخ مصر مرور الطيف العابر، الذي لا يتكرر، كان لا بد أن يموت هذا الرجل (البنا)، الذي صنع التاريخ، وحوّل مجرى الطريق شهيداً، كما مات عمر وعلي والحسين، كان لا بد أن يموت مبكراً، فقد كان غريباً عن طبيعة المجتمع، يبدو كأنه الكلمة التي سبقت وقتها.. كان فيه من الساسة قوتهم، ومن العلماء حجتهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماستهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتاب رصانتهم، وكان في كل جانب من هذه الجوانب يبدو كأنه شخصية مستقلة في وقته المناسب.”.(12)

 

هذه دعوة البنا (الإخوان) مأخوذة من شخصيته، متعددة الجوانب، العلم والفهم واللباقة، وفهم النفوس والتعامل معها بما يناسب كل حال وزمان، ودعوة هذه صفات مكوّنها، وصيغة نهجها القائم على الحوار واللباقة ونبذ التطرف، لا يمكن إلا أن من يدهمها بوسم الإرهاب يكون جوفه وقلبه وعقله مسكونة كلها بقيح الحقد والحمق والجحود والكراهية للإنسان الصالح، فهل نقول إلا أن البعض من متنفذي العصر سياسياً وثقافياً، قد غيروا وجه وقلب الإنسان فيهم، فتنكروا حتى للحضارة الإسلامية التي أعطتهم روح النهج العلمي، فحاولوا طمس معالمها المشرقة، وملاحقة دعاة إحيائها بشتى تشققات الكلام المختبئ خلف تنوع من الأقنعة، فضلاً عن شراسة مدججة بأنواع من القوة، وشراء الذمم، فرأينا زمان قهرهم في مصر وبلاد الشام والعراق واليمن وليبيا والحبل على الجرار يكرُّ ماكرَّ الليل بعد النهار، وفي طريقهم لاحقوا شهداءنا الأبرار، ولم ينسوا الأحياء البرءاء بتهم الإرهاب والتطرف، وجعلوا للبغاث في أرضنا أجنحة نسور وهمية، يرفرفون بها بتلك التهم، ولكنهم في كل يوم، يموتون بسيوف الحقيقة، فلا ينبت لهم زرع في أرضنا إلا مِن انضمام بعض الغنم القاصية الشاردة الضائعة إلى مفترياتهم، يجدفون بها كالببغاوات بأصوات عارية مفضوحة.

 

7- نصوص مبينة

 

وفي تقرير لوكالة المخابرات المركزية، واطلعت عليه صحيفة (بوليتيكو)، ونشر يوم 31 كانون الثاني 2019 داخلياً، قال: “إن جماعة الإخوان المسلمين كانت قد رفضت العنف، وعارضت كلاً من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة “داعش””.(13)

وهذا الأستاذ الداعية الكبير عباس السيسي، صاحب القلب العطوف والخلق العظيم يقول: “الإسلام ذوق، الإسلام لطائف، الإسلام أحاسيس ومشاعر، هذا الدين يتعامل مع النفس البشرية، يتعامل مع القلوب، مع الأرواح، مع الأنفاس، هذا الدين لم يبدأ باستعمال العضلات، ولا بخشونة الكلمات، ولا بالتصدي والتحدي، ولكنه بدأ بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية: ((وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلا ًبَلِيغاً)) و: ((اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ)). و: (أقربكم منّي مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)(14). وهذا الداعية الذي يقول: الدعوة إلى الله حب. ينصح الدعاة، فيقول لأحدهم: “أيها المسلم العظيم: عَمِّر هذا العالم بفيض حنانك، وأشعر كل القلوب بمزيد رحمتك”.(15)

 

8- ومفتريات تفنّد

 

وهذا الداعية الفذ والقائد الإخواني ذو الخبرة والتجربة العملية والكتابية الراقية الأستاذ الشيخ (عبدالله العقيل) أبو مصطفى، مربي الأجيال، يقول مبيّناً للجميع، أن منهج دعوة الإخوان المسلمين؛ إنما يقوم بشكل قطعي على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، ويطلب من دعاة الإسلام عامة والإخوان خاصة أن تكون دعوتهم: “بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة”، وأن: “تخيروا الوقت المناسب والظرف المناسب، وادعوا كل الناس”(16). فأين هذا التوجيه ممّن يريدون بكلامهم وفعالهم حشر جماعة الإخوان في قائمتهم الكاذبة، لتصنيف الناس في صنف الإرهاب، بينما ثبت قطعياً أن هؤلاء المتنطعين، هم من يتعامل مع جماعات الإرهاب، بل إنهم ضمن قائمة وجهت إليها المشاركة في صنع جماعات الإرهاب، ومَدِّها بالمال والسلاح، وتوجيهها لضرب من يخالفونهم الرأي من الجماعات والأفراد وحتى الدول، كم هي المفارقات والعجائب في تصرف هؤلاء الذين يدَّعون محاربة الإرهاب؟! وهم يشاركون في صنعه وتوظيفه ضد الدول والناس. إن جماعة الإخوان في تاريخها، وفي كل الأقطار التي انتشرت فيها، لم يؤثر عنهم في يوم من الأيام أنهم مالوا أو حتى فكروا بمنهج متطرف، بل ظلوا يعملون في كل أعمالهم وحراكهم وعلاقاتهم ودعوتهم للناس بالحكمة والموعظة الحسنة ((وقولوا للناس حسناً)). وإن حدث وأحصى البعض من الخصوم عليهم أعمالاً وصفوها بالتطرف والعنف أو الإرهاب، فذلك من كيدهم ومكرهم بالجماعة، إذ ثبت زيف كثير مما اتُّهموا به، وكما ثبت أن بعض ذلك الاتهام، كان موجهاً لهم كونهم وقفوا يدافعون عن حياتهم وأعراضهم وأموالهم، التي تعرضت لأشد الخطر من قبل بعض مغتصبي الحكم من عسكر تلك الأقطار، وأولها وعلى رأس القائمة في العدوان على المدنيين العزل وقتلهم الحاكمون في سورية من آل الأسد، وقد حصل ذلك بعد الاعتداء على عرض النساء وشرفهن، ثم نهب أموال وممتلكات الناس، وتدمير القسم الأكبر منها، وهذا الدفاع هو عمل مشروع في كل الشرائع الأرضية والسماوية، فكيف يأتي اليوم أناس فقدوا الضمائر والنزاهة ونظافة الإنسان، متوجهين لوضع جماعة الإخوان ظلماً وزوراً في قائمة الإرهاب لديهم، حيث سعى في هذا السبيل الشيطاني بعض من أبناء جلدتنا يدَّعون الإسلام والعروبة، وهم في سعيهم هذا يهدرون ثروات شعوبهم في سبيل إقناع دول الغرب عامة وأميركا خاصة، بأن الخطايا التي يلف اخطبوط إبليس أذرعها حول هؤلاء وأولئك، إن هي إلا إدمان زائف لتخريب وجودهم أولاً، ولسوف يكون ذلك عليهم وبالاً ومجزرة فكر، تنفرط في وجوههم كل أدوات الخراب التي يصنعونها لخدمة إبليس، الذي يسّاقطون في ساحة تدبيره. ((…يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُون))(17)

 

9- وفي الختام نقول:

 

وأخيراً وليس آخراً: إن من الخطط التي اعتمدتها سياسة الولايات المتحدة هي خطة تعويم مصطلح الإرهاب، وجعل ذلك المصطلح لازمة كل اجتماع بين الدول والهيئات، ثم جعلته الصيغة الضرورية للهيمنة على سياسات الدول، وكأنها مادة رئيسية في دساتير تلك الدول، حتى ولو لم تكن تلك الدول تتعرض لأي نوع من الإرهاب، إذ جعلت السياسة الأميركية من جملة (الحرب على الإرهاب) أساساً في العلاقات مع الدول مع أنّ الوقائع قالت وتقول: إنّ هذه الجملة تعني عملياً وحتى فكرياً الحرب على الإسلام وإرهاب أهله والداعين إليه. إلى أن وصل الرئيس الأميركي إلى إطلاق جملته الإرهابية الجديدة، المؤلفة من ركنين: الأول: إن على دول الخليج أن تهديه ثرواتها مقابل الحماية الأميركية لأنظمتها، والثاني: توجيه تهمة الإرهاب لكل توجه في الأمة لا يهادن السياسة الأميركية، الهادفة في منطقتنا لحماية الكيان الصهيوني في فلسطين، وقبل ذلك ومعه تقويض ثقافة وشخصية أمتنا ونهب ثرواتها، وتوظيف موقعها الاستراتيجي لصالح سياستها.

 

ولكن الله لهم بالمرصاد، فمهما حاولوا حصارنا، ومهما دفعتهم غرائزهم المجنونة إلى توجيه شتى التهم إلى العمل السلمي الموسوم بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فإن رحمة الله أوسع، وتدبيره للعاملين على منهجه أبلج، ولسوف تعانق الدعوة إلى الله وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين نصر الله، ولسوف يكبر في حلوقنا وعقولنا وقلوبنا طعم معية الله التي لا غالب لها، فلقد قال قوم عاد من قبل: ((من أشد منا قوة))؟! (فصلت: 15)، فردّ عليهم رب العزة الذي هو الغالب أبداً: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً..)) (فصلت: 15). وإنه لأمرٍ ما يستدرج الله جلّت قدرته بعض المتغطرسين اليوم، ليعيدوا قولة عاد: ((من أشد منا قوة))؟!. ولأمرٍ ما أبقى الله دعاة الإسلام غير هيّابين ولا جزعين، غير متخلين عن شيء مما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وها هم الدعاة في زحمة الحصار، والخيارات هاربة، يتمسكون بالحب والحوار والكلم الطيب والموقف المناسب، فطوبى للغرباء..

————————
(1)(2)(3)(4)- الجزيرة نت 2/5/2019

(5)- ط1، 2013/ رسالة المؤتمر الخامس/ دار عمار للنشر والتوزيع (ص41)

(6)- مذكرات البنا، ص 55

(7)- رسالة المؤتمر الخامس، ص (17، 18)

(8)- السبيل الأردنية، 18 حزيران/2019

(9)- كتاب (مواقف وآراء سياسية) ص 48، ط1، 1998، دار الفرقان، إربد- الأردن. وهو أحد أبرز قادة الإخوان المسلمين في الأردن.

(10)- من كتاب أ. د. عدنان الدليمي (آخر المطاف.. سيرة وذكريات)، دار المأمون، عمان- الأردن، ط 2012، ص 168- 169

(11)- كتاب (ماذا تعرف عن الإخوان المسلمين)، للدكتور أمير بسام النجار، ط1، 2015، دار عمار، عمان- الأردن، ص 45

(12)- المصدر السابق، ص 45- 46

(13)- المصدر السابق، ص 53.

(14)- ترجمة وتحرير (نون بوست).

(15)- الداعية الراحل يرحمه الله (عباس السيسي) أحد قيادات الإخوان رفيق الإمام الشهيد حسن البنا في كتابه (الدعوة إلى الله حب)، ط2، 1984، دار عمار، عمان- الأردن، ص 24

(16)- المصدر السابق، ص 16

(17)- من كتابه: (منهج الإسلام في الدعوة إلى الله)، ط6، 2014، دار المأمون، عمان- الأردن، ص 72، بتصرف قليل

(18)- سورة الأنفال، الآية (36)

إخوان سورية