في مرحلةٍ ما يزال يتعرّضُ فيها شعبُنا الأبيُّ الصابر، لأشدّ حروبِ الإبادة، ولأبشع الجرائم الوحشية في التاريخ المعاصر، التي ترتكبها عصاباتُ الشرِّ الإجراميةِ الأسديةِ الطائفية، والاحتلالُ الروسيُّ والإيرانيُّ وعُملاؤهما، لقهره وإخماد ثورته.. في هذه الظروف التي يختلطُ فيها الدم بالدمع، والأملُ بالألم، يبقى هذا الشعبُ الشامخُ مُصِرَّاً على انتزاع حقوقِهِ في الحرية والكرامة، مهما عَظُمَت التضحياتُ وبَلَغَت الأثمان، ومهما تمالأت عليه قوى العدوان والطغيان.. مؤكِّداً أنّ ثورتَه العظيمةَ عَصِيَّةٌ على التصفية أو الاندحار.. في ظروف المحنة القاسية هذه.. انعقدت الدورةُ العادية الثانية لمجلس الشورى في جماعة الإخوان المسلمين في سورية، التي كانت محطّةً على طريقٍ طويلةٍ شاقّة، لوضع أسُسِ رؤيةٍ مناسبةٍ مواكِبَةٍ للأوضاع السورية ومستجدّاتها، ولتقويم الأعمال، ورسمِ الخطواتِ القادمة. وقد أكَد المجلسُ على الـمَوْقفِ الثابت للجماعة، بالتلاحم مع شعبنا وثورته المجيدة، ودعمِ هذه الثورةِ بكلّ الإمكاناتِ المتاحَة، حتى تُـحَقِّقَ أهدافَهَا الكاملة، في تحرير الوطن السوريّ من رِجسِ الاحتلال والاستبداد، بإذن الله عزّ وجلّ.

 

يا أبناء شعبنا السوريّ الأبيّ:

 

إنّ مجلسَ الشورى الذي يتابِعُ التطوّراتِ والمستجدّاتِ المتعلّقة بأوضاع سورية وثورةِ شعبِها، يؤكِّد على موقف الجماعة من مختلف القضايا ذات العلاقة، بما يأتي:

 

1- إنّ سوريةَ الأبيّةَ باتت -بتآمر العصابة الأسدية- وطناً مُـحْتَلَّاً من قِبَل روسية وإيران وحلفائهما من شُذَّاذِ الآفاقِ وعصاباتِ الميليشيات الطائفية متعدِّدة الجنسيات، وإنّ الجهادَ بأشكاله المتاحة كلها، باتَ فرضاً شرعياً وواجباً وطنياً، حتى تحرير الإنسانِ والتراب السوريِّ من رِبقةِ هذا الاحتلالِ البغيض، وتطهيرِ كاملِ الأرضِ السوريةِ وأجوائها من رِجْسِه.

 

2- إنّنا إذ نحيِّي شعبَنا وفصائلَ المقاومةِ الثورية، على صمودهم البطوليّ لدحر آلةِ العدوانِ الأسديةِ-الإيرانيةِ-الروسية.. نرى أنَّ الوضعَ الصعبَ الخطيرَ الذي وصلت إليه الثورة، يتطلَّب مُراجعةً شاملةً، تبدأ بإعادة تقويمٍ شاملٍ للأوضاع الوطنية والسياسية والعسكرية والأمنية، ويستوجبُ التقاء المؤسَّساتِ الوطنيةِ الثوريةِ على هدف تحريرِ البلاد من الاحتلال وذيولِه، على مبدأ توحيدِ الجهودِ وتنسيقِها، لمواجهة العدوِّ المشتَرَك.

 

3- إننا نرفضُ التدخُّلَ بشؤون بلدِنا سورية، تحت ذريعةِ محاربةِ الإرهاب، فكُلُّ حربٍ ضدّ الإرهاب لا تبدأ بِرُعاتِه، وبالإرهابيين الحقيقيين، الذين احتلّوا البلاد، وأمعنوا في تدميرها وتشريدِ شعبِها وقَتْلِ رجالـِها ونسائها وأطفالـِها، وتجريبِ أسلحتِهِم الفتّاكةِ (بما في ذلك أسلحة التدمير الشامل) على مستشفياتـِها ومساجِدِها ومَدارِسِها ومخابِزِها وأسواقِها الشعبية.. كلُ حربٍ لا تبدأ بهؤلاء الإرهابيين المجرمين، إنما هي عَبثٌ وتضليلٌ ورعايةٌ للإرهاب وليست حرباً عليه.

 

4- إنّ شعبَنا السوريّ، الذي يتعرّض لأبشع المجازرِ الجماعية التي ترتكبُها العصاباتُ الأسديةُ وحلفاؤها المحتلّون، منذ ما يقربُ من تسعِ سنوات، تحت سَمْع العالمِ وبَصَرِه.. يستوجبُ أن يتحمَّلَ المجتمعُ الدوليُّ مسؤولياتِهِ الأخلاقيةَ والقانونية، لحمايته من التهجيرِ والاستئصالِ والإبادةِ بمختلف أشكالها. ونؤكِّدُ في هذه المناسبة، أننا ندعمُ التوجُّهَ التركيَّ لإقامة المنطقةِ الآمنة، التي تـُحقِّقُ الأمنَ والأمانَ لشعبنا على أرضه، وتقطعُ دابرَ الإرهابِ الإجراميّ، وتُحبِطُ خُطَطَ الانفصاليين الذين يُهدِّدون وحدةَ الترابِ السوريّ. ونهيب بالدول العربية والإسلامية، أن تؤدي واجبَها الشرعيَّ والأخلاقيَّ تجاه شعبنا السوريّ الجريح المنكوب.

 

5- إننا، ومع تأييدنا للحلِّ السياسيِّ العادلِ الكريم، الذي يـُحقِّقُ ثوابتَ ثورتِنا التي اجتمعت عليها القوى الوطنيةُ والثورية.. إلا أننا لا نقبل بعمليات المراوغةِ السياسية، أو الالتفافِ عليها، لتصفيتها، وذلك من خلال المؤتمرات التي تتجاهلُ أهدافَ هذه الثورةِ وأسبابـَها، وتسعى لإعادةِ تأهيلِ العصابةِ الأسديةِ المجرمة، وللاعترافِ باحتلال المحتلِّ الذي وَلَغَ في دماء شعبِنا وأهلَكَ الزَّرْعَ والضَّرْع.. إنّ أيَّ حلٍّ لا يوقِفُ جرائمَ القتلِ وسَفْك الدمِ السوريّ، ولا يؤدي إلى إنهاء الاحتلالِ وطَرْدِ المحتلِّين من بلادنا وتصفيةِ مشروعاتـِهِمُ العُدوانيةِ، والإفراجِ عن مئات آلافِ الأسرى والمعتقلين والنساءِ المعتَقَلاتِ لدى سجونِ الاحتلالِ الأسديّ، ولا ينتهي بالمجرمِ بشار أسد وعصابَتِهِ في المحاكم الدوْلية، ولا يُـحَقِّقُ الانتقالَ السياسيَّ وبناءَ دَوْلَةِ العدلِ للشعب السوريّ، من غير تسويفٍ أو مراوغةٍ أو انحرافٍ عن القراراتِ الدوليةِ الصادرةِ بهذا الشأن.. إنّ أيَّ حلٍّ كهذا، لن يقبَلَهُ شعبُنا مهما بَلَغَت التضحيات، وسيستمرُّ في ثورتِهِ ومُقَاوَمَتِهِ حتى تَبلُغَ هدفَهَا بإذن الله عزّ وجلّ.

 

6- إنّنا نـُحَيِّي كلَّ صديقٍ أو شقيقٍ مخلصٍ شريفٍ وقفَ إلى جانب ثورة شعبنا، ونُثمِّنُ الدعمَ التركيَّ لهذه الثورة المبارَكة، واستقبالَ ملايين المهجَّرين. وندعو الشقيقةَ تركية، حكومةً وشعباً، إلى الاستمرارِ في ترسيخِ الأواصرِ التاريخيةِ والثقافيةِ بين الشعبين الشقيقين. ونؤكِّدُ أنّ حمايةَ ملايين النازحين واللاجئين السوريين، وصَوْنَ حقوقِهِم في المَهاجِر، والعملَ على عودتهم إلى أرضهم ووطنهم وديارهم عودةً آمنةً كريمةً طَوْعِيَّة.. هو اختبارٌ حَيٌّ لمصداقية المجتمعِ الدَّوْليِّ والمنظّماتِ الإنسانيةِ الرسميةِ الدوْلية، وإنّ العبثَ بهذه القضية، وامتدادَ يَدِ السُّوءِ إلى هؤلاء اللاجئين الفارّين بأرواحهم من هَوْل المأساة، التي يعملُ المحتلُّ الروسيّ والإيرانيّ والأسديُّ على استمرارها.. لن يكونَ في صالحِ أمنِ المنطقة والعالَم.

 

7- إننا نؤيِّدُ الحراكَ الثوريَّ الشعبيَّ في سورية كلها، ونباركُهُ ونلتحمُ معه، لاسيما في المناطق الشمالية، وهو الحِراكُ الذي ما يزال يُبـَرهِنُ على استمرارِ الثورةِ وألَقِها. ونُدين المحاولاتِ التي تقوم بها بعضُ الدولِ والهيئاتِ والمنظمات، للتطبيعِ مع العصابةِ الأسديةِ الفاقدةِ للشرعية، ونعتبرُ ذلك دعماً لاستمرارِ الظلمِ والاستبدادِ والإرهاب، ونُذكِّر أنَّ التاريخ لا يرحم.

 

8- إننا نُحَمِّلُ العصابةَ الأسديةَ الطائفيةَ، التي باعت سورية للمحتلِّين.. كاملَ المسؤوليةِ التاريخيةِ والأخلاقية، على فَتْحِ أبوابِ الحروب بالوكالة على الأرضِ السورية الطاهرة، فوطننا ليسَ ساحةً قابلةً للانتهاكات، ولا حلبةً لتصفية الحسابات بين أطرافِ أعداء الشعب السوريّ.

 

9- نؤكِّدُ على استمرارِ مشاركتِنا، وتقويـمِنا المستمرِّ لهذه المشاركة، في المؤسّساتِ الوطنيةِ الثوريةِ السورية، كالائتلاف الوطنيِّ وهيئةِ التفاوضِ السورية.. وذلكَ ما دامت هذه المؤسّساتُ مُلتَزِمَةً بثوابت الثورة، ونؤكِّدُ على دَعمِ جهود تفعيلها، والسعيِ إلى إصلاحِها، لاستعادةِ دورِها المؤثِّر في نُصرةِ قضيةِ شعبِنا السوريّ.

 

أيها السوريون والثوارُ المجاهدون القابضون على الجمر..

 

أيتها المرأةُ السوريةُ الطاهرةُ الصابرةُ الأبيّة:

 

إنّ تضحياتِكم العظيمة، سيسجِّلها التاريخُ بأحرفٍ من نور، وإنّنا في جماعةِ الإخوانِ المسلمين في سورية، على العهد، متلاحمون معكم، حتى نبلغَ معاً أهدافَ ثورتنا في الحرية والكرامة.. وإنّ نصْرَ اللهِ القويِّ العزيز الجبّار قادمٌ بإذنه ومَشيئتِه، يومَ يُثمِرُ صَبرُكُم حُريةً وعِزّاً وتحريراً للبلاد والعباد، واقتلاعاً لمجرمي العصر من أرضِ سورية الطاهرة، ويومَ يجعلُ -عزَّ وجلَّ- الظالمين والمستبدّين والمحتلّين ذكرى، وعِبرةً عميقةَ الأثرِ تتناقلُها الأجيالُ السورية المتعاقِبة.

 

اللهم ارحم شهداءَ سورية، واشفِ جَرحاها، وفرِّج عن أسراها ومُعتَقَليها، وانصُر مُهَجَّريها وآوِهم، ورُدَّهم إلى ديارهم ووطنهم سالمين غانمين.

 

اللهم آمين.. اللهم آمين.

 

(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا).. (النساء: الآية 45).

 

الشهر المحرم 1441هـ الموافق لـ أيلول 2019م

 

مجلس الشورى لجماعة الإخوان المسلمين في سورية

* * *