القسم الأول – مقدمة

 

وهذه المقاربة بعض واجب الوقت فيما يجب أن يتعلمه شباب وصبايا المسلمين وكهولهم أيضاً. ذلك أنه في عصر طغت فيه الرؤية المادية للإنسان والحياة والكون، وارتبطت فيه هذه “المادية” بظاهر العلم، وخضع فيه الإنسان لمعطيات القوة “البور” وأصبح كل ما يقال عن إنسان ودين وروح وغيب، من المتنحي العام في العقول والقلوب..

 

تشكل هذه المقدمة مدخلاً للحديث عن التجربة الروحية في آفاقها المفتوحة أمام جميع البشر وإن كان كثير منهم عن آياتها لغافلون.

 

إن “عالم الشهادة وعالم الغيب” أو ميداني “الفيزياء” و”ما وراء الفيزياء” ساحتان لعلمين إنسانيين لكل منهما ملكاته وأدواته. وكما يملك الإنسان حواسه المعرفية الظاهرة -وقد توقف العلماء منذ زمن عن استعمال مصطلح “الحواس الخمسة”- يملك أدواته الإدراكية العامة التي يمكن أن نجملها في عقل وقلب، وعطف الثاني على الأول ليس عطف مترادفات. ولتبقى مدرِكات ومدرَكات الإنسان الذوقية واسعة الطيف عصيّة على التشييئ.

 

منذ القدم كان بين ظهراني البشر قوم ينكرون قلوبهم أصلاً، وأمثلهم طريقة من يقول اليوم: هذه ساحة ليس لدينا للخوض فيه سبيل، وهو إنكار ضمني ملفوف لحقائق شاخصة يعرض عنها الذين لا يشعرون أو الذين لا يريدون…

 

فعالم الشهادة وعالم الغيب كلاهما يحيط بالإنسان، وينفتح عليه، ولكل علم مبادئه وقواعده ومنطلقاته وآفاقه. والمعركة مع المنكرين معركة تاريخية قديمة. وقد كان إعجاز القرآن هو الأعظم حين سماهم “الكافرون” البشر الذين يحجبون فينكرون الحقائق الظاهرة الشاخصة أمام العقول والقلوب.

 

وإذا كان قمة ما وصل إليه علم “الشهادة – الفيزياء” هو المنهج التجريبي، فإن من حق أن نقول إن المنهج التجريبي ظل نقطة الانطلاق لاكتشاف عالم الروح، ولنضيف: إن التجربة الروحية ظلت دائما فردية في ظروفها غير آلية ولا مطردة. بل ظلت تجربة مستقلة متميزة بكل خصوصياتها، وكثيراً ما تفرض نفسها على الإنسان وما يعقلها إلا العالمون. وأشهدك يمر بالحديقة ورودها وأشواكها كل صباح ومساء مئات الناس لا أحد يزعم أنهم سواء في الإدراك والاستشعار، ووحدهم الشعراء هم الذين يخرجون منها بالترانيم.. من أي عالم هذه الحقيقة الشاخصة الماثلة أمام العيون؟!

 

العرفان الروحي والعقلي ركن الإيمان الركين. ومن غيرهما يكون التأسيس على شفا جرف هار فما أسرع ما ينهار، والخوف كل الخوف على أجيال الإنسانية التي يتلاعب بها في هذا العصر كل شيطان مريد.

 

في تاريخنا الدعوي..

 

واجهت الدعوة الإسلامية منذ نهاية القرن الأول الهجري، موجة من الأفكار والثقافات الوافدة طرحت أسئلة، وقدمت أجوبة، وكان مع الموجة الكثير من الحصا والقذا والطين. وانبرى فريق من العلماء الراسخين في العلم إلى استيعاب الوافد بعقل وعلم وعدل، فرزوها، وحددوا موقف الإسلام منها بروح علمية دقيقة، فكان للمسلمين علم عنوانه علم التوحيد أو علم الكلام أو علم أصول الدين.

 

ونقف أمام ما نستقبل اليوم، فيتساءل كل مسلم غيور: ما أحوجنا إلى مثل ما كان في عصر كينونتنا الجديد؟! ما أحوجنا إلى العلماء الراسخين للتأسيس لعلم “أصول الدين الجديد” الذي يعيش العصر، ويجيب على أسئلته الكبرى، ويحلل ويؤلف ويفكك ويركب أمام عقول وقلوب الناس أجمعين.

 

الموقف الإنكاري الرافض للحقائق والوقائع المتضافرة أو المتناثرة ليس إيماناً ولا علماً وإنما هو نوع من الانغلاق والهرب وقد ينفع الناس الهرب ولكن حتى حين.

 

يحتاج العصر الذي نحن فيه إلى علماء بصيرة ذوي همم يتبحرون في معطيات العلوم المختلفة بفروعها ثم يصلون إلى المؤتلف من كل ذلك المختلف بأدوات العلم نفسه، ليؤكدوا كما أكد ابن تيمية من قبل أن صريح المعقول لا يختلف على صحيح المنقول.

 

وإذا كان علماء الأمة من قبل قد اتفقوا على أنه لا يصحّ إيمان وإسلام بتقليد. وأنه لا بد للمسلم من حظ من النظر والتفكر يبني عليه إيمانه إسلامه وذلك حق وصدق. فإن الذي سنحاول في هذه المقاربة أن نوضحه، أن التجربة الإنسانية الروحية في حياة الناس هي المرتكز الأول للرؤية الإيمانية، وهي العاصم الأول من بغي ومن زيغ ومن جحود.

 

إن إدراك التجربة الروحية – عيشها – وفقهها وجماليات تذوقها وتنميتها هو ميدان رحب ينبغي أن تنشر أعلامه، وتذلل سبله للسالكين. عالم التجربة الروحية ليس وقفاً على طبقة من الناس ولا خصوصية لبعضهم.

 

ولقب “العارف” لم ينشأ في هذه الأمة من فراغ. وهو لقب حي معطاء فلا تخللوه ولا تكلسوه. افتحوا للناس سبل التجارب الروحية بحكمة وعلم. وعلى من ذاق أن يشرك غيره في الذواق فالإيمان لا يحتكر. وباب الله يتسع لكل الطالبين..

 

– التجربة الروحية ليست تجربة مغلقة وبعيدة المنال.

 

– التجربة الروحية تجربة فردية خاصة مفاتحها بيد جميع المكلفين.

 

– التجربة الروحية ليست وقفاً على كهنوت ولا على الأولياء والمقربين..

 

– للتجارب الروحية خصوصيتها الفردية فلا يمكن استنساخها ولا تكرارها حتى بالنسبة لصاحبها. فهو لا يستطيع استحضارها عندما يريد.

 

– التجارب الروحية حقائق واقعة مقترنة بحيواتنا ملازمة لوجودنا. وإن كنا عنها غافلين.

 

– لم تستطع كل التفسيرات المادية التي حاولت تشييئ الظواهر الروحية أن تنفيها أو تزيفها من حياة الناس ولن تستطيع.

 

– التجربة الروحية تجربة ربانية – إنسانية، بقدر ما هي دينية تبقى قاعدة الرؤية الدينية الرشيدة للناس أجمعين.

 

– قوله تعالى ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)) لا يغلق على الإنسان باب المعرفة وإنما يفتحه ويمنحنا الفرصة للاستفادة من هذا القليل وفي كل الميادين.

 

– قول الإمام الغزالي: والعجز عن الإدراك إدراك. ليس دعوة للجهل وإنما هو حض على العرفان..

 

وفي محاولة جادة للعرفان الروحي سنمضي سائلين المولى العون والتأييد

 

تجربتنا الروحية… القسم الثاني

 

عرفان.. ووجدان… وذوق