بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الناس أجمعون..

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: “وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ”..

ويقول تعالى “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ”..

ويقول “فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”..

أيها الناس أجمعون:

لم تتعانق في دين ولا مذهب ثوابت الإيمان وحقائق العلم السببي، كما تعانقت في عقيدة الإسلام وفي شريعته.. واختصرت الشريعة الإسلامية تعانق الحقيقتين في كلمتين مختصرتين: اعقل وتوكل..

في الأولى: كان الأمر بالأخذ بالأسباب، وبذل الجهد في مواجهة الأخطار.. وفِي الثانية كان الأمر بالشعور بالطمأنينة، والركون إلى اليقين والراحة والفأل وحسن الظنّ بالله..

أيها الناس أجمعون..

إن ما ينزل في أهل الأرض جميعاً هذه الأيام، يقتضي من الناس جميعاً مراجعة الأولويات، والسلوكيات، والاقتراب أكثر من الخالق الرازق المدبر، كما يقتضي منهم في الوقت نفسه الجد في الأخذ بالأسباب، واعتداد الاستراتيجيات، لمواجهة ما نزل بالبشرية جمعاء من الفاشية الوبائية التي إن تمادت -لا سمح الله- فشت واجتاحت واستأصلت وأبادت..

أيها الناس جميعاً..

إننا في عصر تحققت فيه كأوضح ما يكون حقيقة أن سكان هذا الكوكب هم ركاب مركب واحد.. يعرض أمام أعيننا جميعا الصورة التقريبية التي قربها لنا رسول الله صلى عليه وسلم عن الجماعة في سفينة، إما أن يهلكوا جميعا، وإما أن ينجوا جميعا..

أيها الناس..

إننا وأمام ما تواجهه البشرية جمعاء من تحديات البلاء والوباء الذي ما تزال عدادات الأرقام فيه تتصاعد ساعة بعد ساعة، ندعو من موقع المحبّ المشفق، المجتمعات الإنسانية جمعاء، إلى عودة إلى الله، وإلى سننه العامة في الخلق، وإلى الكف عن الظلم والتظالم، الكف عن الظلم يمارسه الفرد ضد الفرد، أو الجماعة والطبقة ضد الفرد، أو الحكومة ضد الفرد، أو الدولة ضد الدولة، والشعب، فالظلم ظلمات، وقد حرّمه ربّ العالمين على نفسه مع أنه غير متصور أصلاً منه..

كما ندعو إلى موقف إنساني موحد، واستراتيجية كونية موحدة، تقوم على الرؤية العلمية المتكاملة، لمواجهة شرّ الوباء على كل خطوط الطول والعرض، بتوفير ما يحتاجه كل الناس للمواجهة.. والتعاون العلمي العملي المثمر لتقديم العلاج المناسب وتقليل الآلام واختصار المعاناة..

كذلك نذكر قيادات العالم أجمع، ومنظمة الصحة العالمية، بالمجتمعات المنكوبة والمحدودة، ونعود بالجميع إلى مَثل الخرق والسفينة، فلا أحد يعلم من أين يكون الخرق ولا من أين يتسرب الوباء ويغرق الجميع..

أيها السوريون جميعاً..

إنّ وطننا سورية هو جزء من هذا العالم.. وإنّ ما ينزل بالعالم أجمع، وما يتهدد العالم أجمع، ينزل بِنَا ويتهددنا جميعاً وبلا تمييز..

وإن سياسات الإنكار والتجاهل لن تجدي شيئا، ولن تنفع في دفع الوباء لا عن وزير ولا عن غفير، بل إن الجائحة تستهدف السوريين جميعاً بالإبادة والاستئصال..

أيها السوريون جميعاً..

إن حماية الحياة الإنسانية هي المقصد الأسمى للشريعة الإسلامية.. وإن السنوات التسع التي مرت بالمجتمع السوري، بكل ما كان فيها، جعلت سورية من الحلقات الأضعف عالمياً في مواجهة هذا الوباء..

وكيفما صوّب المرء نظره على الأرض السورية، يجد خللاً ورثاثةً وضعفاً وضياعاً، وكل ذلك سيزيد من عظيم خطر الوباء، وستكون الدوائر الأكثر هشاشةً بين فكي الوباء المفترس هي:

أولاً- المعتقلون والمسجونون على خلفياتهم المختلفة.. حيث يتكدّس البشر في وقت تجنح فيه الإنسانية جمعاء إلى حظر كل أنواع الاجتماع..

ثانياً- المهجّرون في خيامهم ومخيماتهم، حيث تفتقد الحياة الإنسانية أبسط قواعد الوقاية والحياة الصحية التي تعين على المواجهة والبقاء..

ثالثاً- حالة الفقر والعوز والحاجة التي تعيشها جماهير من السوريين المنتشرين بين السهل والجبل، حيث يمكن أن نقول أنه في هذا الفقر يشترك السواد العام من السوريين على السواء..

أيها السوريون..

تحاصرنا جميعاً بطوفان هذا البلاء صيرورتنا وصيرورة أجيالنا التاريخية والديموغرافية، وإنّ هذا الوباء لا يختار ضحاياه على أي هوية، لا عرقية ولا دينية ولا مذهبية.. وهذه حقيقة يجب أن يدركها كل العاقلين..

إنّ كل ما سبق، وانطلاقاً من استشعارنا لمسئولياتنا الشرعية الأولية في حفظ حياة الناس، واستشعارنا لمسئولياتنا الإنسانية والأخلاقية أمام عذابات الإنسان السوري، والمرأة السورية، والطفل السوري، وآلامهم ومصائرهم.. ولمسئولياتنا الوطنية بضرورة الحفاظ على ما تبقى للسوريين من وجود..

ندعو إلى:

أولاً- وقف القتل والتشريد والانتهاكات بحق الشعب السوري والمدنيين، وتركيز جميع الجهود والإمكانيات للتصدي للوباء، مما ينسجم عملياً مع الدراسات الإنسانية والدولية ومبادرة الأمين العام للأمم المتحدة، بالدعوة إلى هدنة عالمية إنسانية في كل مناطق النزاع..

ثانياً- الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين والمسجونين لدى الأطراف كافة..

ثالثاً- اعتبار الحرب على الوباء أولوية الأولويات عند السوريين جميعاً.. وتفرغ  كل الطاقات السورية على موضوع التوعية بطرق الوقاية والحماية والعزل والعلاج..

رابعاً-  توفير كل المقدرات المتاحة للجميع لمواجهة هذه الجائحة.. والمبادرة لتأمين كل المستلزمات والاحتياجات لمواجهة الوباء وفق خطط استراتيجية وموحدة..

خامساً- التعاون الإيجابي مع منظمة الصحة العالمية.. وتمكينها من القيام بمسئولياتها الإنسانية، لإنقاذ مستقبل سورية وحياة السوريين.. وتذكير القائمين على القرار فيها بما آل إليه وضع البنية التحتية الصحية فيها..

سادساً- ندب الكوادر الصحية السورية المهاجرة للعودة لخدمة مواطنيهم.. على قواعد ترعاها وتتبناها منظمة الصحة العالمية والحكومة المؤقتة في مناطق إدارتها..

معذرة إلى ربنا..

((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ))..

جماعة الإخوان المسلمين في سورية

۱/ شعبان/ ١٤٤١هـ

٢٥/ آذار/ ٢٠٢٠م