الإخوان المسلمون في سورية

حماة لكيلا ننسى

م. حسام غضبان
في كل مرة تمر ذكرى مجزرة حماة يكون التفاعل والتذكير دون حجم هذه الجريمة الأكبر في تاريخنا المعاصر. كانت هذه جريمة أخرى ترتكب بحق الضحايا، برع حافظ الأسد خلال سنوات حكمه بإسكات أي صوت يتعاطف مع الضحايا، بل حتى الهمسات كان يكتمها، وكان هذا مفهوماً في مملكة الرعب الأسدي، الكل يعرف والكل يوافق على ألا يتألم أو يتعاطف دعك عن أن يصرخ ويطالب بالمحاسبة أو الثأر.
انطلقت الثورة السورية كبركان فجّر الغضب في قلوب شعب بدا أنه نسي، أو طبع مع الطغيان، وكانت صرخة الثورة الكبرى: “يلعن روحك يا حافظ” لم يكن أحد قد نسي، الغضب والألم يملأ الصدور، والأحباب لا ينسون، أكثر التقارير محافظة تتحدث عن خمسة عشر ألفاً قتلوا في حماة وحدها ويبلغ بهم البعض الخمسين ألفا، كل ذلك خلال أسبوعين، هذا شيء لا يتصوره عقل، مجزرة غزة خلال عامين لم يحتملها العالم فغيرت ثقافة وتفكيراً وقيما، ما قتل خلال عام كامل بواحدة من أبشع جرائم العصر في غزة ارتكبه الطاغية الهالك، وأخوه الذي استقبلته أم التنوير فرنسا خلال أسبوعين.
لم تكن مقتلة فقط لم تستثن النساء والأطفال والشيوخ، كانت إهلاكاً للحرث والنسل، وتركاً للمدينة يستبيحها أناس نزعت من قلوبهم الرأفة والرحمة، بل أناس لم تكن لهم قلوب، هدمت أحياء فوق رؤوس ساكنيها وانتهكت أعراض وسرقت أموال، قتل الآباء والأبناء أمام أحبائهم، لا معين، لا مغيث، لا من يمسح الجرح، وبقي الجرح نازفاً لتنكأه الذكرى، ويبقى منظر المدينة تحوم فوقها الغربان، والأهلون يتضرجون بالدماء عالقة لا تبلغ مدى ولا تنقضي.
جاءت الثورة وبقيت هذه الجريمة دون أن تأخذ حقها بالتذكير بها، والتمجيد لضحاياها، والمطالبة بالتحقيق وإدانة المجرمين، وتعويض الضحايا، كان ذلك مفهوماً قبل التحرير، فالمجازر مستمرة والحرب تشغل الناس، لكن يستمر الصمت والحضور الخجول بعد التحرير، وهذا ما لا ينبغي أن يكون.
مررت قبل سنوات في مدن بوسنية عدة فوجدت نصباً تذكارية تعدد الشهداء، ومقابر تليق بهم، ومتاحف تستحضر اللحظات كلها، كان حكيم البوسنة علي عزت بيجوفيتش يقول: “المجزرة التي تنسى تتكرر” فهل نتعلم من البوسنة؟ وهل العربي بحاجة ليتعلم كيف يستحضر ثأره؟
إن كان هذا الجهد قبل متروكاً للأهالي والناس فاليوم يدخل في دائرة المسؤولية الحكومية، ملف العدالة الانتقالية ملف كبير إن لم تكن حماة حاضرة فيه فما الذي يحضر؟ أين هي الملاحقات للمجرمين الذين تستقبلهم دول أخرى لـ”دواعٍ إنسانية”؟ أين هو الإعلام الرسمي وغير الرسمي من إحياء الذكرى؟ هل استقبل المسؤولون أحداً من الناجين؟ قامت الدنيا لأجل إلغاء عيد الشهداء في خمسة أيار؟ ألا يستحق ثلاثون ألفاً من الشهداء يوماً تستذكر فيه قصتهم؟
ثم المسؤولية أيضاً على المجتمع المدني، هذا الحضور الخجول لا يتناسب مع كرامة الشهداء وعظم الجريمة وتاريخ سورية الذي كتب بالدم، انظر كيف يقوم عدة “ناشطين” بتثوير العالم على مزاعم خطف فتيات ومطالب إفراج عن معتقلين، وشارب حلق وجديلة قصت، مع عدم التقليل من أي انتهاك أو اعتداء حصل إن كان حصل، فماذا عن الدم يا أولياء الدم؟
حماة حكاية سورية كلها، حكاية آل الأسد، وعهد الحقبة السوداء في تاريخ سورية. حماة حق الشهيد والمهجر، حماة صوتنا الذي ينبغي أن يشق عنان السماء ضد الظلم والطغيان.
 

محرر الموقع