الإخوان المسلمون في سورية

الحق في التنظيم ضمانة للجميع: لماذا لا يُحلّ الإخوان المسلمون في سورية؟

محمد صادق شيخ ديب
بعد بيان مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سورية في 27 سبتمبر 2026، ارتفعت أصوات تطالب بحلّ الجماعة. وهذا المقال لا يسأل: هل يحق للإخوان أن يبقوا؟ فذلك سؤال يُطرح بالمقلوب.
السؤال الصحيح: بأي معيار يُحلّ تنظيم سياسي في دولة تريد أن تبني نفسها على القانون؟ ومن يطالب بالحل مطالَب أولًا بالجواب: أي قانون خُرق؟ وأي حكم قضائي صدر؟ وأي سلوك ثبت؟

أولًا: مطلب بلا سند

المطالبة بحلّ تنظيم تحتاج إلى مسوّغ من أحد ثلاثة: نص قانوني مخالَف، أو حكم قضائي، أو جريمة مثبتة. والمطالبون بالحل لا يقدمون شيئًا من ذلك، بل يقدمون حملات وانطباعات وتخوفات. وهذا بالضبط ما عرفه السوريون في العهد السابق: تنظيم يُحظر بلا محاكمة، وجماعة يُجرَّم انتماؤها بقانون استثنائي. فالقانون رقم 49 لعام 1980 جعل مجرد الانتماء إلى الجماعة جريمة عقوبتها الإعدام، وهو مثال على ما تفعله الدولة حين تستبدل الخصومة السياسية بالقانون.
من يريد أن يخرج سورية من ذلك المنطق لا يستنسخه بصيغة جديدة. وسابقة الحل بضغط الشارع أو الإعلام لا تتوقف عند الإخوان، فهي تطال غدًا أي تيار يخسر معركة الرأي العام. المعيار القانوني العام ليس امتيازًا لجماعة، بل حماية لكل السوريين.
وإن قيل إن قانون الأحزاب لم يصدر بعد، فالمرحلة الانتقالية تقتضي أن يُوضع القانون أولًا ثم يُطبَّق على الجميع، لا أن يُحلّ تنظيم قبل وجود القانون.

ثانيًا: تاريخ يفسّر الحضور ولا يكفي وحده

تأسست الجماعة في الأربعينيات، وشاركت في الحياة البرلمانية في الخمسينيات، ثم واجهت نظامًا سجن أعضاءها ونفاهم، وارتبط اسم حماة عام 1982 بمأساة تتفاوت تقديرات ضحاياها بين الباحثين. ثم جاءت ثورة 2011، فكان بين شهدائها ومعتقليها ومهجَّريها أبناء الجماعة، كما كان بينهم أبناء كل مكونات سورية، وشاركت في مؤسسات المعارضة السياسية طوال سنواتها. لا ندّعي احتكار التضحية، فقد دفع السوريون جميعًا ثمنها، لكن من دفع مع الجميع لا يجوز أن يُقصى من الجميع.
هذا التاريخ يفسّر لماذا الجماعة جزء من الذاكرة السورية لا وافدة عليها. لكننا لا نبني حجتنا على التضحية وحدها، فالشرعية السياسية تُصان بالقانون وتتجدد بالممارسة. ولهذا نطرح معيارًا قابلًا للقياس، ونطالب خصومنا بمثله.
ولا يعني ذلك أن مراحل الجماعة كلها فوق المراجعة، وسنعود إلى ذلك في الخاتمة.

ثالثًا: التيار غير الفصيل

يخلط الخطاب المعادي بين مفهومين. الفصيل المسلح ينشأ لمرحلة وينتهي بانتهائها. أما التيار السياسي والفكري فأوسع من ظرفه، وامتداده الاجتماعي أعمق من معركة عابرة. الإخوان تيار إصلاحي دعوي وسياسي يعود إلى مدرسة الإصلاح التي حمل لواءها محمد عبده ورشيد رضا، ثم الإمام حسن البنا، وليسوا فصيلًا يذوب بعد الحرب. ومن يريد حلّ تيار فكري بقرار إداري كمن يريد حلّ فكرة بمرسوم.

رابعًا: خمس حجج، وردّ على كل منها

الأولى: ازدواج العمل الدعوي والحزبي. حجة وجيهة، وعلاجها الفصل لا الحل: كيان سياسي يخضع لقانون الأحزاب، وآخر دعوي واجتماعي يخضع لقانون الجمعيات. وهذا ما تقبله الجماعة، فلماذا يُطلب الحل إذا كان الإصلاح ممكنًا؟
الثانية: الارتباط بتنظيم دولي. الجواب هو الشفافية: قطع أي ارتباط تنظيمي أو مالي خارجي وإعلانه، وإخضاع التمويل لرقابة القانون. والسؤال الذي يتجنبه الخصوم: لماذا يُرفض التنسيق العابر للحدود حين يكون إخوانيًا، ويُغضّ الطرف عنه حين يكون لغيرهم؟ من لا يطبّق المعيار على الجميع لا يملك أن يحتج به على أحد.
الثالثة: ضعف الحضور في الداخل. إن صحّ، فالانتخابات هي الحكَم لا المراسيم. إن كان الحضور ضعيفًا فالصندوق كفيل بإظهاره، وإن كان قويًا فالحل لن يمحوه. ومن يخشى الصندوق هو من يلجأ إلى قرار الحل.
الرابعة: غموض الموقف من إيران. يستشهد المشككون بمواقف تنظيمات إخوانية في بلدان أخرى، وهذا تحميل للجماعة تبعات ما لم تقله ولم تفعله، وهو ازدواج في المعيار. الجماعة مسؤولة عن مواقفها هي، وهذه المواقف مكتوبة على مستويين:
فكريًا: كتب الشيخ سعيد حوى في الثمانينيات نقده للتجربة الخمينية في كتابه “الخمينية شذوذ في العقائد وشذوذ في المواقف”، وهو من أبرز مفكري الجماعة.
مؤسسيًا: جاء في «بيان من إخوان سورية حول الموقف من إيران وحزب الله»: “المشروع التوسعي الاستعماري والمنظور الطائفي للنظام الإيراني اليوم في المنطقة… نظام عابث بأمن المنطقة ودولها، وهو مصدر فوضى وسفك للدماء”(¹).
الخامسة: أنها ستبقى تناوئ الحكم الجديد. الحكم على النوايا ليس من أدوات السياسة ولا القانون. المعارضة السلمية المنضبطة حق أصيل في أي نظام تعددي، ولا يُحلّ حزب لأنه قد يعارض. والوقائع المعلنة تقول غير ما يُخشى: فقد رحّب بيان مجلس الشورى الأخير (27 سبتمبر 2026) بانطلاق أعمال مجلس الشعب، ودعا إلى دستور دائم يُطرح للاستفتاء، وأكد العدالة الانتقالية، وأدان الاعتداءات الإسرائيلية، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني. هذا برنامج مؤسسي، وليس برنامج جماعة تتربص بالدولة. والاختبار الحقيقي هو الممارسة اللاحقة، وهي متاحة لمن أراد أن يراقبها ويحاسب عليها.

خامسًا: ماذا بعد الحل؟

السؤال الذي لا يجيب عنه دعاة الحل: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ التجارب القريبة تجيب:
في سورية نفسها: حُظرت الجماعة بالقانون رقم 49، فلم تختفِ. بقيت عقودًا في المنفى وعادت إلى المشهد مع الثورة. الحظر لم يمحُ التنظيم، بل أخرجه من الرقابة والمساءلة.
في مصر: حُظرت الجماعة منذ 1954 ثم أُعيد حظرها بقرار قضائي وحكومي عام 2013، فامتلأت السجون وتشتتت القيادات في المنافي وانقسم التنظيم. لم يختفِ الإخوان، لكن الدولة فقدت أي قدرة على مراجعتهم ومساءلتهم، وبقي الاستقطاب أعمق مما كان.
في الجزائر: حُلّت الجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1992 بعد إلغاء الانتخابات، ودخلت البلاد عشرية دامية قُتل فيها عشرات الآلاف على الأقل، حسب التقديرات. وسياق الجزائر يختلف عن سياقنا ولا يصح الجزم بأن الحل وحده سببها، لكن الدرس أن إغلاق باب السياسة أمام قوة اجتماعية كبيرة ليس وصفة للاستقرار.
في المغرب والأردن: أُدمجت حركات إسلامية بدرجات متفاوتة تحت سقف القانون، فبقيت تحت الرقابة والمساءلة والمنافسة.
الدرس واحد: الحل لا يزيل الظاهرة، بل ينقلها من العلن إلى الظل. وسؤال الأمن الحقيقي: هل تريد سورية جماعة تعمل تحت القانون أم خارجه؟

سادسًا: معيار للجميع

بدل معيار “من دفع أكثر”، نقترح معيارًا يسري على كل الأحزاب بلا استثناء: الالتزام بدولة مدنية تعددية وتداول سلمي للسلطة، ونبذ العنف، وشفافية التمويل والقرار، والمساواة في المواطنة. ومن يقبل هذا المعيار لنفسه فليقبله لغيره، ومن يرفض تطبيقه على الجميع فقد كشف أنه يريد تصفية خصم لا بناء قانون.

خاتمة: التجديد والشراكة

الجماعة ليست فوق النقد ولا خارج القانون، وهي بحاجة إلى تجديد جاد وتأسيس ثانٍ: وثيقة سياسية محدثة تُطرح للنقاش العام، وفصل مؤسسي بين الحزبي والدعوي، وإعلان مصادر التمويل وهياكل القرار، وبيان مكتوب من أي ارتباط تنظيمي خارجي، ومراجعات صادقة تُقدَّم علنًا للسوريين من الثمانينيات حتى اليوم. هذه ليست تنازلات، بل شروط شراكة تقبلها الجماعة ويجب أن تُطلب من كل قوة سياسية.
أما من يصرّ على الحل، فنقول له بهدوء وحزم: إن لم تكن عندك مادة قانونية ولا حكم قضائي ولا واقعة، فأنت لا تدافع عن الدولة بل تفتح باب الاستثناء الذي دخل منه الاستبداد.
ونقول للسوريين جميعًا: لا تدافعوا عن الإخوان، بل دافعوا عن حقكم أنتم في التنظيم. فاليوم هم، وغدًا أنتم. سورية الجديدة تتسع للجميع بالقانون، والحق في التنظيم ليس تهمة بل أساس الدولة التي نريد.
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5)

(1) «بيان من إخوان سورية حول الموقف من إيران وحزب الله»، موقع إخوان سورية: https://ikhwan.site/p-167427

محرر الموقع