أسامة محمد الحمصي

أُمُّ سَلَمَةَ هند بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ رضي اللهُ عنها:

السيدة الجليلة أمّ المؤمنين أُمُّ سَلَمَةَ هند بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ القرشية المخزوميّة. أَيِّمُ العَرَبِ.

أُمُّ سَلَمَةَ، وما أدراك ما أُمُّ سَلَمَةَ؟!.

أما أبوها واسمه سهيل بن المغيرة فسيِّدٌ من سادات “مخزومٍ” المرموقين، وجوادٌ من أجواد العرب المعدودين، حتَّى إنَّه كان يقال له: (زاد الرَّاكب) لجوده وكرمه وسعة بذله وعطائه.

تزوّجها رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم بعد وفاة زوجها أبي سلمة، إذ تُوفّي بعد معركة بدر الكبرى. وهي الأكبر سنًّا بين أزواج النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم اللائي جمعهنّ أواخر حياته، رضي اللهُ عنهنّ.

من فضائل أمّ المؤمنين أُمّ سَلَمَةَ رضي اللهُ عنها:

1 – في صحيح مسلم:

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي اللهُ عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا”.

قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

2 – روتْ عن النبي صلّى اللهُ عليه وسلّم أحاديث كثيرة (نحوًا من 378 حديثًا، منها 13 متفق عليها، و 3 لكلّ من البخاري ومسلم)، وكانتْ فقيهة حافظة لأحاديث الرسول صلّى اللهُ عليه وسلّم. واشتهر عنها البلاغة والفصاحة والإيجاز والتمكّن من اللغة.

3 – كانتْ مِنَ السابقين إلى الإسلام، وأنها هاجرتْ فيمن أوّل من هاجر إلى الحبشة مع زوجها. وكذلك هاجرتْ هجرتها الثانية إلى المدينة المُنوّرة.

وقصّتها يوم هجرتها إلى المدينة، فيها ما فيها من المحنة والامتحان والشدّة والعبر. ولا مجال لذكرها ههنا.

4 – تشرّفتْ بصُحبة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم في بعض مغازيه مثل المريسيع، وخيبر، وفتح مكة.

5 – لها موقفٌ عظيم في الإسلام لا يُنسى، وذلك يوم غزوة الحديبية، إذْ فَرَّجتْ عن النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم كربتَه وهمَّه، حين طَلَبَ مِنَ المسلمين أن يتحللوا من إحرامهم بَعدَ الصُلح، فتباطؤوا بادئ ذي بدء ولم يستجيبوا مباشرة:

(فبعد الصلح الذي حصل بين النبي صلّى اللهُ عليه وسلّم وقريش، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم لِأَصْحَابِهِ: “قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا”، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ، اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ: نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا، فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا) جزء من حديث طويل رواه البخاريّ.

وذلك الرأي الحازم الحكيم منها في ذلكم الموقف العظيم يدلّ على رجاحة عقلها وحكمتها وبُعد نظرها وصواب رأيها وجزالته، رضي اللهُ عنها وأرضاها.

وفي هذا درسٌ عظيم لنا جميعًا في أهميّة الشورى والاستشارة، فكان في رأي هذه المرأة الحكيمة العاقلة الذي قدّمته بين يدي النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم الخير الكبير الكثير الوفير.