الإخوان المسلمون في سورية

“إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون”

د. محمد خازر المجالي

 

بعد أن ابتدأت سورة النمل بالحديث عن القرآن وأنه كتاب مبين، وهدى وبشرى للمؤمنين، وذكر الله أهم معالم الشخصية المؤمنة من إقام للصلاة وإيتاء للزكاة حيث الجانب العملي، واليقين بالآخرة حيث المعاد إلى الله تعالى، بعدها يقول تعالى: “إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون، أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون”، تأتي هذه الآيات مجتمعة لتشكل أهم معالم الشخصية المؤمنة من جهة، ولتبين أهمية الآخرة، وهي –مع الإيمان بالله وحده المستحق للعبادة- من أكثر ما أنكره المشركون، ويتساهل فيهما الناس على مر الزمان، فلا غرابة أن يركز القرآن الحديث على هذين الركنين من أركان الإيمان: الإيمان بالله في ألوهيته، والإيمان باليوم الآخر.

 

وعودة إلى الإيمان باليوم الآخر، فهو وإن أنكره المشركون واستبعدوه، بل سخِروا من إمكانية أن يبعثنا الله بعد أن نكون عظاماً نخرة، فهو ركن أساس في حياة الإنسان، ليعتقد أن هذه الدنيا مرحلة قصيرة، وأنها ابتلاء، وأن الله مجازٍ عباده ومحاسبهم على ما قدموا، وأنه لن يظلم الناس شيئاً، فالموت والبعث والحشر والحساب وتطاير الصحف والميزان والصراط والجنة والنار كل ذلك حق، حفلت بذكرها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومع ذلك نجد من ينكر ذلك، أو يتشكك فيه، أو يتكاسل عن إدراك هذه الحقيقة، أو يؤمن بها ولكن تقصر به أعماله الصالحة ويغلب عليه اللهو واللعب، فلا يربأ بنفسه أن تورده أعمالُه النارَ والشقاء وعذاب الله تعالى.

 

إن اليوم الآخر حتمية لا بد منها، فنحن في الدنيا في ابتلاء وتكليف، والله مجازٍ عباده على الخير والشر، والله خاطب عقولنا وعواطفنا معاً، وضرب الأمثلة وأقام الحجة، ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن إلا وفيها ذكر لليوم الآخر، فالمنبهات والمذكرات والإرشادات كثيرة، ما على الإنسان إلا أن يُعمل عقله قليلا، ويفكر فيمن يودعهم أو يسمع عنهم كل يوم، وأنه يوما ما مغادر مثلهم، ولكنه التسويف واللهو واللعب.

 

وحين يُعرِض الإنسان عن الاستقامة، ولا يؤمن بالآخرة، يرى أعماله السيئة حسنة، فهم يعمهون أن يترددون بينها، وهذا معنى التزيين هنا، أو أن الله يزين له الأعمال الحسنة، ومع ذلك فهم لا يعملون بها، وبناء عليه يكون الحكم النهائي بشأنهم: “أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون”، ونلحظ أن التعبير لم يكن (الخاسرون)، بل (الأخسرون)، فقد أعطاهم الله فرصة وأخرى، ولكنهم فضلوا الضلال على الهداية، واقتحموا السيئات منكرين معادهم إلى الله، مستهزئين بأحكام الله ووعد الله ووعيده.

 

هي الدنيا، خلقنا الله فيها بلا إرادة منا، وما كان خلقُه لنا عبثاً، بل ليكرمنا بانتمائنا له عباداً، ولكنها دار امتحان وابتلاء، فركّب في نفوسنا رغبتيْ التقوى والفجور، التقوى لنتذكر عهدَنا مع الله: عبادة تؤدي إلى راحة وسعادة مرحلية في الدنيا، ثم أبدية في الجنة، أو الفجور المؤدي إلى النكران والعصيان، وحينها ننسى عهدنا مع الله، فنعيش شقاء دنيويا، حتى شهواتها طعمها آنيّ، وبعدها شقاء أبدي.

 

العاقل من يتعظ بغيره، فكلنا راحلون، نرى الموت يخطف الكبير والصغير، المريض والسليم، الغني والفقير، العظيم والحقير، فما دام أحدُنا راحلا؛ فلم الركون إلى الدنيا ونسيان الآخرة!؟ فليجمع أحدنا خيريهما، بأن يُبصر حقائق الأشياء، ويعتصم بربه، ولا تغره الدنيا وتنسيه رسالته، فهو لم يُخلق عبثاً: “أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا تُرجعون؟ فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم”.

 

لو أن كل واحد منا تعبّد اللهَ باسمه (العليم)، أو اسميْ (السميع البصير)، لأدرك في قرارة نفسه أن الله يسمع كل ما أقول، ويبصر كل ما أفعل، فهو العليم الخبير، بل يعلم ما في خبايا الصدور: “يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور”، ويا له من شعور عظيم بالعزة حين يستشعر المؤمن معيته مع الله، ورقابته له، فيكون في دائرة الأعمال الصالحة، بعيداً عن ضوضاء السيئات وما تجره من ويلات وشقاء، حينها يستشعر المؤمن وحده أنه في نعمة عظيمة، فهو يلوذ بمن بيده ملكوت السماوات والأرض، وأنه ما دام مع الله في سره وعلنه، فالله معه، وكافيه ومعينه، فهو العلي العظيم الحكيم العليم الرحيم.

 

من أعماق القلب أهديها لكل الحيارى الذين تشتتهم أفكارهم وتشقيهم شهواتهم، ولا يأنسون بربهم الذي بيده مقاليد الأمور كلها، فيحقق آمالهم ويختار ما هو لصالحهم، وهو أشد فرحاً منهم بتوبتهم وإنابتهم إليه، ولو بلغت ذنوبهم عنان السماء، فقد وعد ووعده حق: “قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، إنه هو الغفور الرحيم”.

 

يا رب لا تكلنا إلى أحد سواك، أنت خالقنا ورازقنا ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، اختر لنا ما أنت أعلم به منا لسعادتنا دنيا وآخرة، فأنت حسبنا ونعم الوكيل.

 

الغد الأردنية

إخوان سورية