((ويُؤْثِرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصَاصة)).. والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا. وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيراً. وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديماً وحديثاً.

((ومن يوق شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون)).. فهذا الشح. شح النفس. وهو المعوق عن كل خير. لأن الخير بذل في صورة من الصور. بذل في المال. وبذل في العاطفة. وبذل في الجهد. وبذل في الحياة عند الاقتضاء. وما يمكن أن يصنع الخيرَ شحيحٌ يهِمُّ دائماً أن يأخذ، ولا يهمُّ أن يعطي. ومن يوق شح نفسه، فقد وُقِيَ هذا المعوّق عن الخير، فانطلق إليه مُعْطياً باذلاً كريماً. وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه.

((والذين جاءوا من بعدهم، يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلّاً للذين آمنوا. ربنا إنك رؤوف رحيم))..

وهذه الصورة الثالثة النظيفة الرضية الواعية. تبرز أهم ملامح التابعين. كما تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.

هؤلاء الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار ولم يكونوا قد جاؤوا بعد عند نزول الآية في المدينة، إنما كانوا قد جاؤوا في علم الله وفي الحقيقة القائمة في هذا العلم المطلق من حدود الزمان والمكان، سِمَةُ نفوسهم أنها تتوجه إلى ربها في طلب المغفرة، لذاتها ولسلفها الذين سبقوا بالإيمان؛ وفي طلب براءة القلب من الغِلّ للذين آمنوا على وجه الإطلاق، ممن يربطهم معهم رباط الإيمان. مع الشعور برأفة الله، ورحمته، ودعائه بهذه الرحمة، وتلك الرأفة: ((ربنا إنك رؤوف رحيم))..

وتتجلى من وراء تلك النصوص طبيعة هذه الأمة المسلمة وصورتها الوضيئة في هذا الوجود. تتجلى الآصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وتوادّ وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب؛ وتتفرد وحدها في القلوب، تحرك المشاعر، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة، كما يذكر أخاه الحي، في إعزاز وكرامة وحب. ويحسب السلف حساب الخلف. ويمضي الخلف على آثار السلف. صفاً واحداً وكتيبة واحدة على مدار الزمان واختلاف الأوطان، تحت راية الله تَغُذُّ السير صُعُداً إلى الأفق الكريم، متطلعة إلى ربها الواحد الرؤوف الرحيم.