الإخوان المسلمون في سورية

الحسن البصري.. نموذج العالِم العامل

كان الحسن صداعاً بالحق، لا يسكت عن إنكار منكر، ولا تمنعه منه هيبة أمير، ولا بطش ملك، وكان حيناً يعرض تعريضاً، وحيناً يصرح تصريحاً، فمن تعريضه بالأمراء وترفهم وسرفهم

 

علي الطنطاوي

 

نحن اليوم مع علم من الأعلام الشوامخ وإمام من الأئمة الكبار، ونادرة من نوادر الزمان، مع رجل ملأ في زمانه القلوب والعيون والأسماع، ولا يزال وقد مرّ عليه ثلاثة عشر قرناً يملأ الأسماع والعيون والقلوب، مع رجل كان في الورع والتقوى آية ظاهرة وكان في العلم بحراً زاخراً، وكان في الفصاحة والبيان علماً مفرداً، وكان أعظم وعاظ الإسلام في تاريخه كله، هو سيد التابعين الحسن البصري.

 

وكان الوعاظ يدعون القُصاص، وكان أكثرهم ممن يتخذ الدين حرفة، والتقوى صناعة، يأكلون بها الدنيا، ويجمعون بها المال، يمخرقون على العامة باللفظ الجميل والمظهر الخداع، والخشوع الكاذب، يتكلمون من ألسنتهم لا من قلوبهم، لذلك منع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القصاص من دخول المسجد في البصرة ولم يستثن إلا الحسن البصري، لأنه كان يقول الحق، ويروي الحديث الصحيح، لا يسرد الإسرائيليات ولا ينقل الموضوعات. ولأنه كان يتكلم من قلبه، يزهد الناس في الدنيا وهو أول الزاهدين فيها، لا يزهدهم فيها ليخالفهم إليها ويزاحمهم عليها، ولا يؤخذ منهم أجراً، ولا يقبل منهم هدية، ولا يتخذ جاههُ وسيلة إلى الحظوة عند الملوك، والقرب من السلاطين.

 

وكان الحسن نفسه حرباً على هؤلاء القصاص من علماء السوء الذين يدعون للآخرة ويطلبون الدنيا، ولقد قال فيهم كلمة الحق التي أثرت وحفظت:

 

دخل المسجد مرة ومعه فرقد، فقعد إلى جمب حلقة، فأنصت يستمع حديث أهلها وهم يتكلمون في الدين والزهد، ثم أقبل على فرقد فقال: يا فرقد، والله ما هؤلاء إلا قوم ملوا العبادة، وصعب عليهم العمل وقل ورعهم فوجدوا الكلام أهون عليهم فتكلموا.

 

***

 

هو الحسن بن يسار البصري، وكان أبوه في الأصل عبداً مملوكاً من سبي ميسان، وكان أمته كذلك، ولكن الله أراد لهما ولذريتهما الخير، وإذا أراد الله الخير لأحد هيأ له أسبابه، فصار أبوه مولى زيد بن ثابت أحد أئمة الصحابة وعلماء الصدر الأول، وصارت أمه خيرة مولاة لأم المؤمنين، وزوجة الرسول صلى الله عليه وسلم أم سلمة، وكان من تمام حظه أن أمه كانت تغيب فيبكي فتعطيه أم سلمة ثديها، فربما درّ عليه اللبن من حنانها، فهل في التكرمة أكثر من أن يلتقم ثدي أم المؤمنين وزوجة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!

 

وعاش بين الصحابة فأقبل على العلم، ونشأ على التقوى، وكان في الفصاحة والبيان في منزلة قلَّ من بلغها من الأدباء، وقلما قرأت كلاماً أكمل ولا أجمل ولا أنبل من كلامه، ولقد شبهوه من قديم بكلام الأنبياء، وشهد له شيخ العربية وإمام أئمتها أبو عمر ابن العلاء، بأنه كان هو والحجاج أفصح الناس.. قيل له فأيهما كان أفصح؟ قال الحسن.

 

والعجب إن مناهج الأدب في المدارس لم تعن بدراسة هذا النمط من الكلام العالي المطبوع، وإنما اشتغلت بالمتكلف المصنوع الذي خلفه أمثال ابن العميد والصاحب (ابن عباد) من صفاف الكلام الخالي من الروح، الفارغ من المعنى، وتركت مثل ابن السماك الذي لا أكاد أعرف كلاماً أحلى وأبلغ من كلامه، والعتابي وابن الجوزي في صيد الخاطر وتوقيعات بلغاء الخلفاء، وكتابات أدباء العلماء..

 

وهاكم طائفة من كلام الحسن البصري، لتروا لوناً من ألوان البلاغة المطبوعة في كلام ملئ بالدين والعلم، والنظر السديد، والرأي الصائب، لا كمثل رسائل الصاحب في سخفها ورقاعتها وتكلفها ومجانبتها سبيل البلاغة الواضحة.

 

هذه كلمة له فيها من المعاني ما يشرح في كتاب ويصلح منهجاً للحياة الخلقية الكاملة، ونتيجة لدراسة نفسية شاملة، في أقصر لفظ، وأوضحه وأجمعه للمعاني، حتى لكأنها من جوامع الكلم.

 

سأل عن الرجل الكامل الرجولة، والبطل الظاهر البطولة فقال: هو من يملك نفسه عند الرغبة والرهبة، وعند الشهوة وعند الغضب.

 

وانظروا إلى تعريفه الإنسان في قصر عمره، وأنه يضيعه بغفلته وجهله.. قال: ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. وانظروا إلى هاتين الصورتين البيانيتين، يرسمهما هذا العبقري البين بألفاظ معدودة، كما يرسم المصور اللوحة المعبرة بالخطوط القليلة صورة في وصف أهل الخير والكمال من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورة لعلماء السوء، الذين يتخذون مظهر الدين وزي التقى سلماً لنيل الأموال والحظوة عند الأمراء.

 

أما الأولى: فقد قال له بعض القوم، أخبرنا عن صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى، وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السماء والسمت، والهدي والصدق، وخشونة ملابسهم في الاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستقادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطائهم الحق من أنفسهم، ظمئت هواجرهم، ونحلت أجسادهم، واستخفوا بسخط المخلوقين لرضا الخالق.

 

لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا في جور، ولم يجاوزوا حكم الله في القرآن، شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا لله دمائهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم، ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين من إنفاد حكم الخالق، حسنت أخلاقهم وهانت مؤونتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم.

 

وأما الثانية: فإنه مرّ بباب الأمير ابن هبيرة، فإذا هو بالقراء على الباب، فقال: ما يجلسكم ها هنا؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء؟ أما والله ما مجالسهم بمجالس الأبرار، تفرقوا فرّق الله بين أرواحكم وأجسادكم، قد شمرت ثيابكم، وجززتم شعوركم، فضحتم القراء ففضحكم الله، أما والله لو ذهبتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم، لكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم.

 

ووصف الصالحين فقال: إن لله عز وجل عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة خالدين، وكمن رأى أهل النار في النار خالدين، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، حوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياماً قصاراً تعقب راحة طويلة، أما الليل فصافة أقدامهم، تسيل دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى ربهم: ربنا .. ربنا، وأما النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء، كأنهم القداح ينظروا إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويظنهم خولطوا ولقد خالط القوم من ذكر الآخرة أمر عظيم.

 

***

وكان الحسن صداعاً بالحق، لا يسكت عن إنكار منكر، ولا تمنعه منه هيبة أمير، ولا بطش ملك، وكان حيناً يعرض تعريضاً، وحيناً يصرح تصريحاً، فمن تعريضه بالأمراء وترفهم وسرفهم، وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

 

لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يعرفون وجهه، ويعرفون نسبه قال: هذا نبي، هذا خياري، خذوا من سنته وسبيله، أما والله ما كان يغدى عليه بالجفان (الموائد) ولا يراح، ولا تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحجاب، وكان يجلس على الأرض، ويوضع طعامه على الأرض، ويلبس الغليظ ويركب الحمار.

 

ثم قال: ما أكثر الراغبين عن سنة نبي الله وما أكثر التاركين لها.

 

ثم راح يعرض بعلماء السوء الذين يفتنون كل حاكم بما يرضيه فقال:

 

ثم إن علوجاً فسقة، قد أضلهم ربي ومقتهم، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وشادوا وزخرفوا، يقولون: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، ويذهبون بها إلى غير ما ذهب الله بها إليه، في كلام طويل جليل تلقونه في حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني في مجلس وعظه الذي كان يحضره عشرة آلاف من الناس.

 

***

 

من صراحته أن عمر بن هبيرة لما ولي العراق، أرسل إلى الحسن والشعبي وابن سيرين، والثلاثة من أعلام التابعين وأئمة المسلمين فقال لهم: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إليّ في أشياء، إن أطعته فيها أغضبت الله، وإن عصيته لم آمن بطشه وغضبه، فهل ترون لي في متابعتي إياه فرجاً، فتكلم الشعبي وابن سيرين كلاماً فيه تقية ومداراة والحسن ساكت، قال له: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟

 

قال: أقول يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ، فيخرجك من ساعة قصرك إلى ضيق قبرك، يا عمر بن هبيرة، إن تتقي الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، وإن تطع يزيد لا يعصمك من الله، يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك، نظر مقت، فيغلق باب المغفرة دونك، يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناساً من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا وهي مقبلة، أشد إدباراً من إقبالكم عليها وهي مدبرة، يا عمر بن هبيرة إن تكن مع الله في طاعة يرد عنك كيد يزيد بن عبد الملك، وإن تكن مع يزيد بن عبد الملك في معاصيه وكلك الله إليه.

 

فبكى عمر حتى اخضل لحيته، وزاد في إكرامه على الشعبي وابن سيرين.

 

***

 

وكان له مع الحجاج مواقف عظام، لم يسكت عنه يوماً، ولم يكن في العراق والمشرق لسان يستطيع أن يقول الحق عالياً في الحجاج إلا لسان الحسن، وسلمه الله منه بإخلاصه وابتغائه وجه الله وحده، وكان يطلبه أبداً واختفى منه مرة في دار علي بن جدعان سنتين، ومرّ في بيت أبي محمد البزاز. وأدركه الشرط مرة فساقوه إلى الحجاج وأيقن الناس أنه قاتله، فلما رآه قال له: أنت الحسن؟ قال: نعم. قال: أنت القائل ما بلغني عنك. فقال: وما بلغك عني؟ قال قولك: اتخذوا عباد الله خولاً وكتاب الله دغلاً، ومال الله دولاً، يأخذون من غضب الله وينفقون في سخط الله والحساب عند البيدر. قال: نعم. قال: وتكني بذلك عنا؟ قال: نعم. قال: ولما قلته ويلك؟ قال: لم أخذ الله ميثاق الفقهاء في الأزمنة كلها ليبيننه للناس ولا يكتمونه.

 

ثم قال له: كم بينك أيها الأمير وبين آدم من أب؟ قال: كثير.. قال: أين هم؟ فأطرق الحجاج ساعة مفكراً ثم قال يا جارية الغالية (أي الطيب) فخرجت بها. فقال: ضمخوا رأس الشيخ ولحيته بالطيب. ثم قال: انصرف إلى أصحابك فنعم المؤدب أنت.

 

وانصرف وعاد إلى ما كان عليه، حتى بلغه موته، وهو مختف منه في المسجد فسجد شكراً لله..

 

***

 

وبعد فإن سيرة الحسن البصري أجل من أن يتسع لها حديث أو أحاديث، وكيف وهو علم الأعلام وواعظ الإسلام الذي بلغ من خلود اسمه أنه إذا قيل الحسن فقط انصرف ذلك إليه وحده.

 

وأختم هذا الحديث بوصف خالد بن صفوان إياه لما سأله عنه مسلمة بن عبد الملك قال: أخبرك عنه بعلم، أنا جاره إلى جنبه، وجليسه في مجلسه، وأعلم الناس به، هو أشبه الناس سريرة بعلانية، وقولاً بفعل، إن أمر بأمر كان أعمل الناس به وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً عن الناس، ورأيت الناس كلهم محتاجين إليه.

 

رحمة الله عليه، ورضي الله عنه وأسأل االله أن يمن على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيجعل فيها علماء من أمثال الحسن..

 

إخوان سورية