وأرسل لي أخ كريم فيديو نشره من يريد أن يوظّفه، في دائرة الحرب التي يشنها أهل الزيغ والضلال على الإسلام الدين، العقيدة والشريعة، ..

 

يسجّل الفيديو تعريفاً مختصراً ببعض علماء المسلمين في ميادين الفلسفة والطبيعة والعلوم البحتة كما نسميها، من أمثال جابر بن حيان والفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد.. ثم يعقّب بعد التعريف بكل واحد من هؤلاء وبدوره ومكانته بأنه اتهم بالكفر وبالزندقة وبالمروق!!

 

والغاية من هذا الفيديو كما ترى هي التأكيد على أن الحضارة الإسلامية كانت نابذة للعلماء، مستخفة بالعلم، تسير على سنن الكهنوت الكنسي في لجم العلم، ونبذ العلماء، وسجنهم وتعذيبهم، لكي يرجعوا عن أقوالهم العلمية!!

 

وهو مقصد كما ترى مريب بل خبيث، وأحقر ما فيه أنه يبنى على الكذب والادّعاء والتهويل ثم على التعميم الجهول الذي لا يليق بمن يزعم العلمية والموضوعية..

 

وأول ما يرد به على صاحب هذا الفيديو، وما جاء فيه كلام مكرور ما يزال يكرره صعاليك أعداء الإسلام جيلا بعد جيل؛ هو أن ما ادّعاه من نسبة الكفر والزندقة إلى هؤلاء العلماء بعضه لم يثبت في مصادر علمية معتد بها، وبعضه ورد في الفيديو المزعوم مبالغاً فيه على نحو لم يثبت في كتب التاريخ.. وأول التحذير أن نحذّر من أخذ العلم من مصدر “محول” لا نعرف له مصدراً ولا سنداً غير حوائط الفيس والواتس.

 

وثاني ما يُرد به على صاحب الفيديو الأفاك الأثيم، وهي شهادة الواقع وشهادة الواقع أبلغ من كل شهادة كما يقولون، هو أن جلّ هؤلاء الذين ذكروا في الفيديو وفي غيره من حكايات قالة السوء؛ كانوا يشغلون مواقع متقدمة في بناء الدول والإدارات التي عاشوا فيها. كثير منهم شغل منصب الوزارة. أو كان مقدّماً لعلمه عند صاحب الأمر. وكان الخليفة أو السلطان ينفق على كل أشكال البحث العلمي. كان المأمون مثلاً يكافئ على الكتاب بوزنه ذهبا. وكان الأمراء يتباهون بمن يكون في حاشيتهم من العلماء. كل العلماء، ولم يكن الأستاذ الجامعي يجرجر من قبل المخبر الصغير، كما آل إليه حال الأمة منذ العصر العلماني الذي ما يزال يحكمنا منذ قرن وعشرة أعوام..

 

وثالث ما نردّ به على هذا أنه لم يحفظ التاريخ أن عالماً مسلماً قتل أو سجن أو عذّب على رأيه العلمي، ولاسيما في ميادين الفلسفة والفكر وما يسمى العلوم البحتة.

 

الحالات التي لا تتجاوز أصابع اليدين منذ أن قتل القسري الجهمي إلى يومنا هذا وهي حالات محدودة معدودة، منها ما تعرّض له إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، كانت بسبب خلافات عقدية إسلامية – إسلامية بحتة. وقتل الحلاج والسهروردي والنسيمي وغيرهم من الرجال المعدودين لم يكن بسبب علومهم، وإنما كان بسبب شطحهم وتخليطهم، وهذا لا يعني أننا نبرر قتلهم أو نحتج له.

 

وقتل مثل ابن المقفع وبشار بن برد اللذين يقال إنهما قتلا على الزندقة إنما كان لأسباب سياسية. عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.

 

نحن نتحدث كما قلت عن حالات محدودة من الشطط في تاريخ حضارة عمرت ألفاً وثلاث مائة من السنين. بل أزيد المدّعي من الشعر بيتاً فهذا ابن الرواندي المشهور بالزنديق يؤلف كتباً في زندقته فتحفظ كتبه، وتناقش ويرد عليها ولا يقرب أحد له قرناً ولا ذيلا. حتى يقول أبو العلاء المعري في رسالة الغفران عن كتاب ابن الرواندي الزنديق الموسوم بالتاج “وأما تاجه فلا يستحق أن يسمى خفا، وما تاجه إلا أف وتف وجورب وخف”..

 

ويقول أبو نواس:

 

فلا خير في لهو بغير مجانة.. ولا في مجون ليس يتبعه كفر

 

فيحفظ ويردد ويبقى الشاعر لا يمسّه السوء..

 

والأمثلة في ذلك أوسع من تذكر..

 

ورابع ما نرد به على هذا الإفك المفترى في اتهام حضارة الإسلام بأنها كانت تتابع العلماء وتطارد المفكرين.. أن التنابذ بالزندقة والضلال كان شائعاً بين العامة والخاصة في ذلك الزمان. المهم أنه ليس كما يدّعي المدعي كانت هذه التهمة خاصة بالفلاسفة والمفكرين أو المنغمسين في البحث العلمي البحت!!

 

حتى ألف الإمام الغزالي رحمه الله تعالى من علماء القرن الخامس كتابه الموسوم “فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة ” في محاولة للحد من هذه الظاهرة التي انتشرت.. ولكن دون أن يكون لانتشارها أثر يذكر لا على المستوى السياسي ولا على المستوى الاجتماعي والفكري..

 

في الحوار الفكري والسياسي والديني كان من سبيل توهين الخصم اتهامه بالزيغ والضلال كما يتهمون اليوم أهل الإسلام بالتطرف والإرهاب… حتى يقول الإمام الغزالي في مقدمة كتابه فيصل التفرقة “واستحقر من لا يحسد ولا يقذف واستصغر من بالكفر والضلال لا يعرف”.

 

هذا الأفاك الذي حاول أن يوظف بعض المعلومات المدعاة والمعممة والمغلوطة في سياق الدفاع عن حضارة محاكم التفتيش وسجون بشار الأسد وأبو غريب وباغرام وعبد الفتاح السيسي ونتنياهو ينسى على الحقيقة أن عالماً يسمى حجة الإسلام قد اتهم بالزندقة وأحرقت مؤلفاته عند قوم، وأن آخر يلقب شيخ الإسلام قد لبث في السجن بضع سنين..

 

وأنّ الأمة رغم ما كان فيها ظلت بخير على غير ما هي عليه اليوم.

 

هذا ليس دفاعاً عن خطأ شاع، ولا رقعاً لخرق اتسع؛ وإنما هوا جواب لتوظيف منحرف مقصود ينبغي للمسلم أن يعرفه من لحنه وقد عرفناه..