الإخوان المسلمون في سورية

الحَجُّ بَوْتَقَةٌ إيمانية تربوية (1)

مدخَل

لقد فرض اللهُ عزّ وجلّ الإسلامَ العظيم، لتحرير الإنسان من كل عبوديةٍ لغيره سبحانه وتعالى، ولتحرير الإنسانية من المظالم التي تقع بين أممها وأفرادها نتيجة الخروج عن المنهج الربانيّ العادل الصالح لكل زمانٍ ومكان.. وقد أصّل ديننا الحنيف هذا كله، عبر أصولٍ ثلاثةٍ تحدثنا عنها في مناسباتٍ سابقة، نذكرها هنا للبناء عليها:
1- الأصل الأول أو (الهدف) الذي ينبغي تحقيقه، لتحقيق العدل والسعادة والرخاء للإنسان، وهو: (لا إله إلا الله محمد رسول الله).. الذي يعني بإيجازٍ شديد: لا واضع لمنهج الحياة إلا الله، ولا مشرِّع لدستور الحياة وقوانينها إلا الله، فهو الإله والربّ الذي ينبغي على الإنسان أن يطيعَه ويعبدَه وينفّذَ أوامرَه ومنهجَه.. وإن لم يفعل الإنسان ذلك، فإنه سيحوّل نفسه إلى عبدٍ لغير الله عزّ وجلّ، الذي سيكون في هذه الحالة.. الربّ المزيّف الذي يضع للناس من عنده منهج الحياة ودستورها وقوانينها الملأى بالأخطاء، وبالتالي الملأى بالظلم، فيحلّ الشقاء والظلم والتعاسة على الأمة المسلمة والمجتمع المسلم.. بدل السعادة والرخاء والعدل.
2- الأصل الثاني أو (وسيلة تحقيق الهدف)، وهو: الجهاد في سبيل الله، بكل أنواعه وأقسامه.. التي تمتدّ من الجهاد بالقلب.. إلى الجهاد باليد والنفس.. وما بينهما من جهاد الكلمة والقلم وأساليب الدعوة المختلفة إلى الله ودينه القويم ومنهجه الصحيح الوحيد الشامل.
3- الأصل الثالث أو (المحرّك الدائم) أو (اليوم الآخر)، الذي يُحرِّك الإنسان المؤمن للسعي باستمرارٍ إلى تحقيق هدف الإسلام في الأرض.. وهو اليوم الذي فيه يُكافَأ مَن يؤدي الأمانةَ على خير وجه، ويُعاقَبُ الذي يُقصّر في تأديتها ويتقاعس عن تحرير نفسه وشعبه وأخيه الإنسان.. من كل أنواع العبودية لغير الله عزّ وجلّ.
تلكَ إذن.. كانت أصول الإسلام الثلاثة، التي ينبغي أن ينطلقَ منها المسلم المؤمن.. لكنّ الله عزّ وجلّ أسّسَ لنا عليها أركاناً خمسة، هي: الشهادة، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج.. هذه الأركان الخمسة تهدف إلى ما يأتي:
1- توفير التربة الصالحة للمؤمن بشكلٍ مستمر.. لتغذيته بالزاد المهم الضروريّ، للسعي باستمرارٍ إلى ترسيخ الأصول الثلاثة المذكورة آنفاً.. في نفسه، وفي كل مكانٍ يستطيع الوصول إليه.. لنجده يتذكّر دائماً أن لا إله إلا الله، ولا وسيلة لتحقيق ذلك إلا الجهاد في سبيله، ولا شيء يحرّك النفس البشرية للسعي في سبيل الله لتحرير البشرية إلا التذكّر بأن هناك يوماً آخِر، فيه يُثاب الناس على التزامهم بتأدية الأمانة الموكلة إليهم من قِبَلِ ربهم عزّ وجلّ.. أو يعاقَبون على تفريطهم وتقاعسهم عن ذلك!..
2- وحَمْلُ الإنسان المؤمن على تبني منهج الله عزّ وجلّ، وبشكلٍ دائمٍ، وبأفضل صورةٍ ممكنة.. وتنفيذ ذلك المنهج الرباني في شؤون الحياة كلها.
قد نتحدّث عن الأركان كلها، برؤيةٍ تحليليةٍ شرعيةٍ علمية، في مناسباتٍ أخرى.. لكننا هنا سنتحدّث عن ركنٍ واحدٍ فحسب، هو ركن: الحج، لمناسبته خلال هذه الأيام المباركة.
* * *
الحج.. ذلك المؤتمر الإسلاميّ العالميّ الذي يجتمع فيه مسلمون من كل بقاع الأرض، وفيه يعاهِد المسلمُ ربَّه على السير لتحقيق هدف الإسلام في الأرض.. وعلى الجهاد الدؤوب بشتى أنواعه.. لنشر الإسلام، وتحرير المسلمين بل البشرية كلها.. من ربقة الظلم والاضطهاد والإذلال.
خلال الحديث عن الحج وشعائره.. لن نتعرّض للأحكام الفقهية والفوائد الثقافية والسياسية والأخلاقية من الحج.. فقد أبدع فقهاء الأمة ومفكّروها -مشكورين- في الحديث عن تلكم الأمور.. لكننا سنقدّم رؤيتنا بأسلوبٍ تحليليٍّ تأملّيٍّ لكل شعيرةٍ من شعائر الحج.. فنكشف كنهها وأهميتها وهدفها.. ولنربط بينها جميعاً.. ونخلص إلى نتائج مهمةٍ.. هي الهدف الذي فرض الله لأجله الحج على المسلمين، ركناً من أركان دينهم العظيم القويم.
إذن، لنقف معاً بتدبّر، عند نفحاتٍ وتأملاتٍ إيمانية.. فنكشف عَظَمةَ ديننا وشعائرنا الإسلامية.. التي تسبر أغوار النفس الإنسانية للمسلم.. فتجعله يجيب على السؤال الكبير:
لماذا فُرِضَت هذه الشعائر، وما حقيقتها وحقيقة أهدافها.. ثم ما الهدف الكبير من ركن الحج كله؟!..
* * *

إذا صنّفنا شعائر الحج.. فسنجد أنه يتكوّن من الشعائر الأساسية الآتية:

1- الإحرام.
2- التلبية.
3- الطواف.
4- السعي.
5- الوقوف بعرفة.
6- النحر.
7- رمي الجمرات.
8- الإقامة في (مِنـى).
* * *
وإن ألقينا نظرةً تأمّليةً تحليليةً على كل شعيرةٍ من الشعائر المذكورة آنفاً.. فإننا نقول:

أولاً: الإحرام خطوة تجهيزية

في بداية الحج، يجد الحاج المسلم نفسَه أمام أول شعيرةٍ من شعائره، هي الإحرام، فيتحلّل من الثياب المخيطة، وينظّف جسده نظافةً تامةً، ويكشف رأسه، ثم يضع على بدنه -ليستره- قطعتي قماشٍ بسيطتين غير مخيطتين.
لا يجوز للمُحرِمِ أن يُخاصِمَ أحداً من الناس.. كما لا يجوز له أن يقصَّ شعره أو ظفراً من أظافره، ويُحَرَّم عليه الصيد في الحَرَم، أو اقتراف أيٍ من السيئات، كما يحرم عليه التطيّب بالعطر، أو ممارسة الحياة الزوجية العادية.
نحن إذن أمام شعيرةٍ يبدأ فيها الموسم التعبّدي للحج، وحتى يكون تنفيذها صحيحاً وكاملاً، وحسب ما تقتضيه أوامر الله عزّ وجلّ.. ينبغي أن يقوم الحاج المـُحرِم بما يأتي:
1- الإقبال على الله عزّ وجلّ بنفسٍ نظيفة، وجسمٍ نظيف، وروحٍ نقيةٍ طاهرةٍ مُحْسِنةٍ غير مذنبة.
2- التجرّد الكامل من مفاتن الدنيا، ومن التمايز بين الناس، الموجود عادةً في الحياة العادية، ومن الانشغال عن هدف الحج والعبادة والتذلّل إلى الله عزّ وجلّ خالق الخَلقِ وحده.. بأي عملٍ أو تصرفٍ مهما كان صغيراً، حتى لو كان قصّ شعرٍ أو تقليم ظفر!..
هناك إذن.. توجّه كامل بكل الجوارح، وتركيز كامل بكل المظاهر الداخلية والخارجية للنفس البشرية، وتهيئة للروح الإنسانية.. للإقبال على عبادة الله عزّ وجلّ وحده، بلا حواجز ولا مَراسم ولا أي أمرٍ شاغلٍ للنفس عن هذا الإقبال النقيّ الصافي باتجاهه سبحانه وتعالى.. فهي الخطوة الأولى التمهيدية لما سيتبعها ويؤازرها من خطوات.
* * *

د. محمد بسام يوسف