الإخوان المسلمون في سورية

الليث بن سعد.. جمع بين الدنيا والآخرة

علم شامخ من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة الفقه الكبار، أصحاب المذاهب المتبعة، وأحد أفراد الدنيا علماً وذكاءً، ونبلاً ورفعة، وسخاءً وكرماً، أجمعوا على أنه نظير الإمام مالك في الفقه، وعديله في الاجتهاد، وأنه كان لمصر مثل مالك للمدينة، لا مفتي ومالك في المدينة، ولا مفتي وهو في مصر

 

علي الطنطاوي

 

 

علم شامخ من أعلام الإسلام، وإمام من أئمة الفقه الكبار، أصحاب المذاهب المتبعة، وأحد أفراد الدنيا علماً وذكاءً، ونبلاً ورفعة، وسخاءً وكرماً، أجمعوا على أنه نظير الإمام مالك في الفقه، وعديله في الاجتهاد، وأنه كان لمصر مثل مالك للمدينة، لا مفتي ومالك في المدينة، ولا مفتي وهو في مصر، وهو أعظم جاهاً من مالك، وأكثر مالاً وأوسع ديناً، بيدّ أن الله قيض لمالك من دون علمه، وكتب مسائله، وحرر مذهبه فصار أحد المذاهب الأربعة الباقية، وذهب مذهبه هو فيما ذهب من المذاهب التي كانت يوماً معروفة متبعة مقلدة، وكاد ينسى اسمه فلا يعرفه إلا العلماء، على حين يعرف أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد كل مسلم.

 

فهل عرفتم الآن من هو؟

 

هو الذي جمع الله له الدنيا والدين، والجاه والتقى، وكان سيد مصر، أمرُهُ قبل أمر الولاة، وحكمه فوق حكم القضاة، وكان دخله من أملاكه ما بين عشرين وثمانين ألف دينار في العام – ثمانين ألف ليرة ذهبية، ولم تجب عليه زكاة قط. لأنه لم يكن يحول عليه الحول وعنده منها شيء.

 

هو الإمام العالم الليث بن سعد

 

ولد في قرية مصرية سنة 94 للهجرة، أي قبل نحو ألف وثلاثمئة سنة، ولم يشغله غنى أهله عن طلب العلم والرحلة به، لا كما يرحل أكثر الطلاب الآن إلى أوروبا وأميركا، بل كما يرحل السلف، يرحلون ليتلقوا العلم، ويتلقوا قبله الدين والتقى، والسلوك الإسلامي، ويجتمعوا بالعلماء العاملين، الصالحين المصلحين، وقد أخذ عن علماء مصر، ثم حج ولقي أئمة الحجاز عطاء بن أبي رباح، وهشام بن عروة بن الزبير، وقتادة، وأمثالهم. ثم رحل إلى العراق فأخذ عن علمائه.

 

وهاكم قصة من قصص دراسته:

 

حج هو وابن لهيعة، قاضي مصر ومحدثها، ولقيا العلماء معاً، وكان من علماء الحجاز نافع… – مولى ابن عمر – فرآه الليث فعرفه، ولم يكن يعرفه ابن لهيعة فتبعه حتى دخل وكان علافاً، فسلم عليه، فقال له: من أنت؟ قال: من قيس. قال: ابن كم؟ قال ابن عشرين. قال: أما لحيتك فلحية ابن أربعين، ثم قعد معه فحدثه أحاديث وأذن له أن يروي هذه الأحاديث عنه. فرآه ابن لهيعة، قال: من هذا؟ قال: مولى لنا – وتعرفون أن المولى في اللغة من أسماء الأضداد، فالسيد مولى، والتابع مولى – فأوهم ابن لهيعة لئلا يشاركه الرواية عنه.

 

فلما رجعا إلى مصر، صار الليث يقول، حدثنا نافع عن ابن عمر، فأنكر عليه ذلك ابن لهيعة، وقال: أين لقيته؟ فضحك وقال: أما رأيت العبد الأسود الذي كان في دكان العلاف؟ هو ذاك.

 

***

 

وبلغ منزلة في الحديث والفقه شهد له فيها أكابر العلماء:

 

قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، ولكن أصحابه لم يقوموا به – أي لم يدوّنوا علمه فضاع مذهبه واندثر- … وقال أحمد ابن حنبل: ما في المصريين أثبت من الليث، وكان يقول: الليث ابن سعد، ما أصح حديثه!.. .. وروى عنه مالك ولم يصرح، وكل ما كان من الموطأ من قوله (وأخبرني من أرضى أهل العلم) فإنما يعني به الليث بن سعد.. وكان الشافعي يقرأ في درسه مسائل الليث، فمرت مسألة فقال أحد الحاضرين: أحسن والله كأنه كان يسمع مالكاً يجيب فيجيب هو، فقال ابن وهيب: بل كأن مالكاً يسمع الليث يجيب فيجيب هو. والله الذي لا إله إلا هو ما رأينا أفقه من الليث.

 

وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى وأصر على الإباء، فقال: دُلني على رجل صالح، فقال: عثمان بن الحكم الجذامي أفتدرون بما كافأه عثمان؟ لما جاءته الولاية كرهها وتألم منها وسأل: من دل أمير المؤمنين علي، قالوا: الليث.. فحلف ألا يكلمه أبداً.. لأنه سبب له هذا الأذى، يعني ولاية مصر يا أيها القراء…

 

هكذا كانت أخلاق علمائنا وصلحائنا.

 

***

 

وقال يعقوب وزير المهدي: قال لي أمير المؤمنين لما قدم الليث بغداد: الزم هذا الشيخ فقد ثبت عند أمير المؤمنين أنه لم يبق أحد أعلم بما حمل منه.

 

ومعنى ذلك بعرف العصر، أن الخليفة أمر وزيره الأكبر، بمرافقته بنفسه، أيام زيارته (العاصمة)!

 

وكان له مع الخلفاء حوادث طريفة، منها أنه جرى بين هارون الرشيد وبين بنت عمه (زوجته) زبيدة كلام فقال لها: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة.

 

ثم ندم فكتب إلى البلدان، فجمع علماءها إليه، فلما اجتمعوا جلس لهم فسألهم، فاختلفوا.. وبقي الليث لم يتكلم فسأله، فقال: إذا أخلى أمير المؤمنين مجلسه، فصرفهم، فقال: أتكلم على الأمان؟ قال: نعم. فأمر بإحضار مصحف فأحضر. قال اقرأ يا أمير المؤمنين سورة الرحمن فقرأها حتى وصل إلى قوله تعالى ((ولمن خاف مقام ربه جنتان))..

 

قال: أمسك يا أمير المؤمنين، قل: والله…

 

فصعب على الرشيد أن يحلفه، فقال الشرط يا أمير المؤمنين.

 

فحلَّفه بأشد الأيمان، أنه يخاف مقام ربه. فلما حلف. قال: هما جنتان يا أمير المؤمنين لا جنة واحدة.

 

فسمع التصفيق وصياح الفرح من وراء الستر.

 

وسأله: ماذا تطلب، قال: يا أمير المؤمنين، أما لنفسي فقد أغناني الله بفضله، ولكن أطلب صلاح بلدنا، وصلاحه بإجراء النيل، وصلاح أميره.

 

فأمر أن يكون والي مصر وقاضيها تحت أمره، وكان إذا رابه من أحد شيء كتب فيه فيعزل.

 

من ذلك أن قاضي مصر إسماعيل بن اليسع لا يرى لزوم الوقف (1) فكتب فيه: “إنا لم ننكر عليه شيئاً، ولكن له رأياً في الوقف لا نرضاه”.. فورد كتاب الخليفة بعزله.

 

فلما جاءه العزل، قال له: يا أبا الحارث.. لقد أتعبت نفسك، والله لو أمرتني بالخروج لخرجت!

 

***

 

وكان له كل يوم أربعة مجالس، مجلس يأتيه فيه الوالي ونوابه يسألونه ويسترشدون برأيه، ومجلس لأصحاب الحديث ومجلس للفقه، ومجلس لأصحاب الحاجات.

 

وكان يعيش معيشة الملوك، وقد قُومت ثيابه مرة ودابته بثمانية عشر ألف درهم، أي بألف دينار ذهبي وكان لبَّأساً. وكان إذا رحل، رحل بثلاث سفائن، سفينة له ولأضيافه وتلاميذه، وسفينة لعياله، وسفينة لمطبخه وخدمه.

 

وقال كتابه (سكرتيره) عبد الله بن صالح: صحبت الليث عشرين سنة، فكان لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس ولا يأكل إلا الألوان الكثيرة باللحم الوافر، وكان كل من جاءه من التلاميذ يأكل وينام وينفق على حسابه، لا يكلفه من ماله شيئاً، وإذا أراد السفر، أعطاه نفقته وزاده!

 

وكان يتخذ الفالوذج والحلوى لأصحابه، ويضع فيها الدنانير، ليرغبهم بذلك في الأكل ويغنيهم!

 

وكانت له موائد عامة للناس، يطعمهم فيها الهرايس بعسل النخل وسمن البقر في الشتاء، وباللوز والسكر في الصيف.

 

وكان يعطي العلماء رواتب دائمة، منها مائة دينار للإمام مالك، وكتب إليه مرة أن عليه ديناً فبعث إليه بخمسمائة دينار، وكتب مرة أخرى: “إني أريد أن أزوج بنتي فابعث لي بشيء من عصفر”.

 

وكان يومئذٍ غالياً، وكانوا يصبغون به الثياب ويسمونها المعصفرات فبعث إليه بثلاثين جملاً محملة عصفراً، فصبغ منه لابنته وباع منه بخمسمائة دينار، وبقيت عنده فضلة..

 

ولما حج أهدى إليه مالك طبقاً فيه رطب، فأخذه ورد الطبق وفيه ألف دينار!

 

ولما احترقت دار ابن لهيعة أعطاه ألف دينار، ووصل منصور بن عمار القاضي بألف دينار!

 

وأتاه مرة سائل فأمر له بدينار، فأبطأ الغلام فجاء سائل آخر، فقال له الأول: اسكت، فسمعه الليث، فقال: مالك وله! دعه يرزقه الله، وأمر له بدينار آخر.

 

قال منصور بن عمار (القاضي): كنت يوماً عند الليث فأتته امرأة ومعها قدح فقالت: يا أبا الحارث زوجي مريض وقد وصف له العسل، قال: اذهبي إلى الوكيل فقولي له يعطيك. فجاء الوكيل يساره فقال: اذهب فأعطها مطراً (أي مئة وعشرين رطلاً) إنها سألت بقدرها فأعطيناها بقدرنا.

 

واشترى منه قوم ثمرة بستان له ثم ندموا واستقالوه (طلبوا الرجوع عن البيع)، فأقالهم، ثم استدعاهم فأعطاهم خمسين ديناراً، وقال: إنهم كانوا أمّلوا ربحاً فأحببت أن أعوضهم.

 

***

 

لقد كان الليث بن سعد يا أيها القراء، نموذجاً لطراز من العلماء، نتمنى أن نعود فنرى أمثاله في هذا العصر. أن نرى علماء يكون لهم مثل هذا العلم، وهذه الأمانة في نقله، وهذا العقل الكبير، وهذه الكياسة في معاشرة الملوك، وهذه المنزلة وهذا الجاه، وأن يكون لهم (خاصة) مثل هذا المال الذي يستغنون به(1)، المال الذي يحصلونه بجدهم وكدهم، لا الذي يجمعونه بمد أيديهم إلى الناس، وأن يكون لهم مثل هذا الاحترام.

 

***

 

وتوفي الليث يوم الجمعة 14 شعبان سنة 175 وعمره إحدى وثمانون سنة على التمام.

 

قال خالد بن عبد السلام الصدفي: شهدت جنازة الليث مع أبي، فما رأيت قبلها ولا بعدها مثلها، ولا أظن أنه سيكون أعظم منها أو أكثر من أهلها، ورأيت الناس كلهم في جنازته سواء في الحزن يعزي بعضهم بعضاً ويبكون..

 

قلت: يا أبت: كأن كل واحد من هؤلاء هو صاحب الجنازة! فقال: يا بني كان عالماً كريماً، كبير العقل، كثير الأفضال، يا بني، لن ترى مثله أبداً..

 

***

 

(1) أي أنه يرى جواز رجوع الواقف إن شاء.. وذلك مذهب أبي حنيفة رحمه الله.

 

(1) والإسلام لا يحارب الغنى إن كان من حلال، ولا يحرم جمع المال.. والغني إن أدى زكاة ماله ما لم يكن ممن يكنز الذهب والفضة، ولم يكن عليه عقاب.

 

إخوان سورية