هل المحن نتيجة أخطاء؟ أم هي سُنّة من سنن الدعوات؟. هل يمكن تفاديها أو تخفيف حدّتها؟ أم أن تفاديها انحراف عن الطريق؟. هل هي ضربات قاضية تقضي على الدعوة؟ أم هي صقل وتطهير وتأصيل للدعوة؟. ما حقيقة آثارها على الجماعة والأفراد؟ هل أضرّت أم أفادت؟ هل حقاً هي مِنَحٌ في صورة محن؟.

 

هذه تساؤلات يدور بعضها أو كلها بخلد الدعاة وقد لا تجد الإجابةُ الصحيحةُ طريقها إليهم.

 

لهذا وجب علينا أن نعرض لهذه التساؤلات لنتعرف إلى الإجابة الصحيحة الشافية إحقاقاً للحق ودحضاً للباطل وعلى الله قصد السبيل.

 

هل المحن نتيجة أخطاء؟ أو هي سنّة من سنن الدعوات؟.

 

لقد تعرض الرسل والداعون إلى الله على مر الأزمان للإيذاء والتعذيب والقتل من أعداء الله بسبب قيامهم بواجب الدعوة إلى الله، وقد بيّن لنا القرآن الكريم أن هذه المحن سنّة من سنن الله في الدعوات ليميز الخبيث من الطيب. ويكفي أن نقرأ قول الله تعالى: (ألم. أحسِبَ الناسُ أن يُتْركوا أن يقولوا: آمنّا، وهم لا يُفتَنون؟ ولقد فتنّا الذين من قبلهم، فَلَيعْلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين). {سورة العنكبوت: 1-3}.

 

وهل يمكن تفادي المحن أو تخفيف حدّتها؟ أم أن تفاديها انحراف عن الطريق؟.

 

يتصوّر بعضهم أنه بشيء من السياسة والكياسة وحسن التصرف يمكن للداعين إلى الله أن يتفادوا المحن وأن يجنبوا أنفسهم هذا الإيذاء والاضطهاد المتكرر الذي يتعرضون له، أو يخففوا من شدته أو يقللوا من مدّته. فهل هذا صحيح؟ وهل حقاً ذلك في إمكانهم مع دوام استمساكهم بدعوتهم؟.

 

تعالوا نستَلْهِم الإجابة الصحيحة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نقتفي أثره ونسير على طريقه. كلنا يعلم أنه صلى الله عليه وسلم حريص على المؤمنين، وبهم رؤوف رحيم ويعز عليه عَنَتُهم، كما وصفه الله سبحانه وتعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم). وكان صلى الله عليه وسلم يتعرّض لألوان من الأذى، ويرى المؤمنين وهم يتعرضون لصنوف من العذاب على أيدي كفار قريش، ولو كان في استطاعته أن يفعل شيئاً يحول بينهم وبين هذا الإيذاء لفعل، ولكنه فقط كان يوصيهم بالصبر والثبات ويبشّرهم بالجنة وبالنصر والتمكين لدين الله.

 

يروي لنا البخاري عن قيس قال: سمعتُ خبّاباً يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بِبُرْدة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شِدّة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو مُحْمَرّ الوجه فقال: “قد كان من كان قبلكم ليُمْشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه… ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه… وليُتِمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه. ولكنكم تستعجلون”.

 

وكأنما يريد صلى الله عليه وسلم أن يُؤكد أن هذا الإيذاء ليس غريباً، وأنه سنّة الله في الدعوات، وقد تعرض له من كانوا قبلهم ولم يصرفهم عن دينهم، فعليهم أن يصبروا كما صبروا، ويثبُتوا كما ثبتوا، ويطمئنوا إلى النتيجة، وهي أن الله سيُتمُّ هذا الأمر وسيمكن لدينه رغم كل هذا الكيد من أعداء الله.