الإخوان المسلمون في سورية

بين العيد والهجرة وواقع المسلمين

د. محمد المجالي

 

يعيش المسلمون هذا الوقت حالة استثنائية وهم يستقبلون عامهم الهجري الجديد، وبعد موسم الحج والعيد، حيث المؤتمر الإسلامي العالمي الذي من حكمه التقاء المسلمين وتعارفهم وتعاونهم، ولكن الأمور غالباً لا تسير في الاتجاه الصحيح، نتيجة لأزمات تعيشها الأمة، هي التي تسببت بها، وإنما فُرضت عليها لابتعادها عن طريق الله، فقد قالها القرآن صريحة: “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً”.

 

من يتصفح كتاب الله، وتاريخ المسلمين، بل المؤمنين عبر تاريخهم، يدرك سنة من سنن الله لم تتخلف، بأن ما يصيب المؤمنين من أذى إنما هو بسبب من أنفسهم: “وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير”، خاصة على صعيد الأمة، ربما الأفراد يُبتلون ليُمَحَّصوا، ولكن الأمة عموماً قد يدركها الابتلاء، ولكن لا بد من وجود سبب ما كانت النكسة أو الهزيمة بسببها، تماماً كما قال الله سبحانه مجيباً الصحابة لما وقعت الهزيمة في أُحد، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير، وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله، وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا..”.

 

بين العيد والهجرة واقع للمسلمين مرير، ليس انقساماً وتشتتاً فقط، بل عداوة غير مألوفة، خاصة حين يكون النزاع السياسي بين الدول، فقد تعودنا أن نسمع عن نزاعات سياسية اعتيادية بين الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة، أسبابها كثيرة أهمها تشتت الولاء والتبعية الاستعمارية والهيمنة الغربية على وجه التحديد على كثير من دولنا الإسلامية، فرغم هذه الأسباب السياسية وغيرها، إلا أن الشعوب تبقى بينها رابطة الأخوة والإيمان، فهم أوعى من أن ينزلقوا في التيه والعداوة كما فعلت دولهم، ولكننا اليوم (مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي) نشهد انحرافاً خطيراً في أخلاق الأمة، وسلوكاً غير مألوف أبداً، وهذا يحتِّم مسؤولية أعظم على العلماء والدعاة والغيورين على مصلحة الأمة ودينها.

 

مرت تركيا -على سبيل المثال- وتمر بأزمة، ربما أحد أطراف أسبابها غرب حاقد، وعربٌ تبعٌ مقلِّدون مُسَيَّرون، لاقت الأمة من تصرفاتهم ويلات جسيمة، شعارهم حرب الله ورسوله، مدّعين أنهم يحاربون الإرهاب وجماعات الإسلام السياسي، ولكنهم في الحقيقة يعلمون من صنع الإرهابيين، الذين اتُّخِذوا شماعة ليصار إلى تصفية الإسلام نفسه، ووقع الغالبية ضحية هدف غربي فيما يسمى فوبيا الإسلام، حتى تكون الكراهية لهذا الدين وعدم انتشاره في الغرب خصوصاً، حين رأى المنظِّرون سرعة انتشار هذا الدين في الغرب خصوصاً، فلا يعجبهم هذا الانتشار للإسلام في الدنيا كلها، وهذا الوعي الديني، وتصحيح المفاهيم، وإدراك حقائق الأشياء التي من ضمنها هذا الطغيان العالمي لفئة محددة من ضمنها اللوبي الصهيوني العالمي، فهم يريدون شعوباً ذليلة منشغلة بقوت يومها، ويريدون دولاً تابعة منشغلة بالحروب، منقسمة معتمدة على غيرها، حتى في قوتها، ولما قامت دول لتعتمد على نفسها، فهذا خروج على المألوف، وخطر لا بد من إيقافه، وأُلْصقت التهم، وفزع الأتباع الصم البكم الذين لا يعقلون من منافقي الأمة، لينعقوا بما نعق به عدونا اللدود، وهكذا يسعون لتقويض أي تجربة إسلامية، وأي وعي إسلامي، وأي مبدأ إنساني يرد الإنسان إلى حقوقه وكرامته وأعلاها حريته التي هو بها إنسان.

 

أعيادنا مزيفة لأن القيمة الحقيقة للعيد فرح بطاعة، وشعور بنشوة السعادة، أننا نقترب من الله تعالى، وأننا ننهض ونسمو كما يحب ربنا لنا سبحانه، فما كان المسلمون إلا خير أمة، بينما اليوم أذل أمة، مجلبة للمهزلة والضحك، ربما عدونا نفسه يستغرب من هذا التعلق والاستجداء به والتبعية له.

 

وعلى أبواب ذكرى الهجرة درس عظيم لنا للخروج من هذا الواقع الأليم، فالهجرة عنوان للحرية والعزة، هي حركة بهذا الدين، للبحث عن وسائل عزته، فقد كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم هو البحث عمن ينصره، ويؤمن له حرية تبليغ هذا الدين، إلى أن وجد من يستمعون إليه، ويعاهدونه على نصرته، بل أسلموا وكانوا نعم القوم، ربما أثّر وجود اليهود بينهم في ذلك؛ إذ أخبروهم أن هذا أوان مبعث نبي، وكانوا يتوقعونه منهم (من اليهود)، ولذلك لما استمع الأوس والخزرج إلى النبي تحدثوا فيما بينهم أنه الذي تَوَعَّدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه، فكان ما كان من بيعة العقبة الصغرى، ثم الكبرى، ثم الهجرة.

 

لنا أن نتذكر يا معشر المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم سارع بُعَيْد هجرته إلى تأسيس وبناء وتأكيد أربعة أمور هي ما ينبغي علينا نحن الانتباه إليها، فبناء المسجد تأكيد لرعاية شأن الدين وأهميته في أمورنا كلها؛ إذ هو الجامع بيننا والموجِّه لنا سلوكياً وروحياً وتربوياً. والمؤاخاة بين المسلمين تأكيد للشأن الاجتماعي والأخوة التي ينبغي أن نعيشها بحقوقها الكاملة. ووثيقة المدينة شأن سياسي لتنظيم العلاقة مع غير المسلمين، وهي بداية لوعي إنساني يدرك المسلمون من خلالها أبعاداً في الحياة والحرية والحقوق، بعيداً عن التفكير الأناني والعصبية. وأخيراً إنشاء السوق الإسلامي، حيث أهمية الشأن الاقتصادي، والتحرر من أي تبعية، حيث كان اليهود يحتكرون السوق، ولعل ما نعانيه اليوم له علاقة مباشرة بهذه الأمور مجتمعة.

 

ومع كل هذا، فإنني لا أدعو إلى اليأس بقدر ما أدعو إلى الوعي وشحذ الهمة لتحمّل المسؤولية، فأملنا بالله عظيم أن يعجّل بالفرج، وهو الذي قال: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا”، وقال: “إن الله لا يصلح عمل المفسدين”، وقال: “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين”، وقال عن الكافرين وأتباعهم: “إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلَبون، والذين كفروا إلى جهنم يحشرون”، فالمطلوب نهضة فكرية يسير معها عمل دؤوب لنصرة هذا الدين وأهله، فالفرج قريب إن شاء الله: “فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسرا”، ولن يغلب عسرٌ يسرين.

 

الغد الأردنية

إخوان سورية