ولعل كلمة “بغى” بتقلباتها الاشتقاقية المتعددة، وصيغها الدلالية المتباينة، من أكثر الكلمات ورودا في القرآن الكريم.

تقرأ: ذلك ((مَا كُنَّا نَبْغِ)) في سورة الكهف فتفهم أنها تعني نقصد أو نريد. وتقرأ ((أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا)) فتفهم أقبل أو أرضى. وتقرأ ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ)) فتفهم تجبر وطغى وتجاوز. وتقرأ ((فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)) فتفهم فمن حاول أو سعى أو اختار غير ذلك. وتقرأ في مواطن عديدة : ((لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ…..) فتفهم أن تطلبوا.. وتسعوا إلى. وتقرأ ((وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ))، ((وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا)) فتفهم معنى الامتناع والاستحالة. وتقرأ عن البحرين العذب الفرات والملح الأجاج: بينهما برزخ لا يبغيان، فتفهم لا يختلطان ولا يتجاوز أحدهما على الآخر.

ويقولون: بغى: تجاوز الحد أو الحق. وتأتي في سياق المدح والذم، فإذا تجاوز الحق إلى الفضل والسماحة واليسر كان محمودا، وإذا تجاوزه إلى المشاححة والمعاسرة كان مذموما – الأصفهاني-. ويقولون إذا جاء رمضان نادى مناد : يا باغي الخير أقبل، أي طالب الخير ويا أيها الآمر بالخير والدال عليه أقبل، ويا باغي الشر أقصر، وهو أوفى دليل على أن بغى الشيء بمعنى طلبه وسعى إليه تكون في الخير والشر حسب سياقها.

ومن أشهر معاني البغي الواردة في القرآن الكريم هو اللفظ الدال على تجاوز الحد والظلم والحيف يكون في صغير الأمر وكبيره، قليله وكثيره، تشارك أخاك مجلساً فتزاحمه فيه فتبغي، وتؤاكل أخاك لقمة فتسابقه إليها فيكون بغيا، وتنظر إلى أخيك بعين انتقاص تترفع عليه في لبسته أو في هيئته أو في مشيته أو ما في جيبه أو ما في بطنه.. فيكون بغيا. وتقرأ لأخيك كلمة فتعسر عليك، فتردها عليه تهمة فيكون بغيا.. ومن هنا كان من أصدق ما قرر القرآن الكريم ((وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)) العيش بين الناس سيجعلك مبغياً عليك وباغيا، من حيث دريت أو من حيث أنك لا تدري.. فكن من كل أمرك على حذر.

إلا أن من أكثر آيات القرآن إثارة للخوف، وإشاعة للترهيب، وإيجابا للتوقي، والوقوف عند حدود الله؛ تأكيد الله سبحانه وتعالى في أربعة مواقع من كلامه على معنى واحد من حقيقة البغي بالمعنى الذي لا يُحب والتصاقه بالذين ((أُوتُواْ الْكِتَابَ)) و ((جَاءَهُمُ الْعِلْمُ)) و ((جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ)). في كل الشرائع تخف المغارم على أصحاب المواقع إلا في الإسلام فحد العبد والأمة على النصف، وزلة العالم زلة العالم. يسميهم سيدنا المسيح عيسى بن مريم ومن قبله سيدنا يحيى: أبنا الأفاعي. ويلقبهم سيدنا رسول الله “يلبسون للناس جلود الضأن من اللين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم قلوب الذئاب”.

في أربع آيات من مواقع متعددة من القرآن الكريم في البقرة، وآل عمران، والشورى، والجاثية. يحدثنا ربنا.. بغيا بينهم…

ففي الآية 213 من سورة البقرة يحدثنا الله سبحانه وتعالى عن الاختلاف في الكتاب ((وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ، بَغْيًا بَيْنَهُمْ))

وهنا المعنى اللطيف الحقيق، فهؤلاء الذين أوتوا الكتاب لم يختلفوا فيه اختلاف رواية، ولا اختلاف دراية، وإنما اختلاف بغي؛ اختلاف حقد وحسد وشحناء وبغضاء وسوء خلق وادعاء..

وفي سورة آل عمران الآية 19 يقول تعالى:

((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، بَغْيًا بَيْنَهُمْ))

والعلم رحم بين العلماء. والأدب رحم بين الأدباء.. وحسن الخلق، وحسن الظن، رحم بين أصحاب المروءات.. ولكن حب الزعامة والترؤس والانتفاش والانتفاخ هو مادة البغي التي تشعل نار البغضاء بين الذين أوتوا العلم، ولا أريد أن أقول بين العلماء..!!

ويكثر الإمام الغزالي أبو حامد حجة الإسلام من تكرار “أن حب الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين” فكيف حب الرئاسة في قلب من حصل على شهادة عرجاء من معهد مقعد، ويظل ينادي: لا أحد يقول في الإسلام قولا إلا أنا، أنا أو من دخل تحت كسائي..!!

قال أبو العالية في تفسير آية سورة آل عمران هذه ((بغيا بينهم))، يقول “بغياً على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، ومن قِبَلها والله أوتينا” هذا كلام أبو العالية.. والقول في المدرسة هو هو..

وفي الشورى الآية 14…

((وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ))

جاءهم العلم الذي يأمرهم بالحب وبالإخاء وبالاتحاد فرغبوا عن مقتضى العلم، وأطاعوا البغي الذي يحضهم على التفرق فتفرقوا.. وأنظرُ إلى عديد عناوينهم اليوم على الساحة السورية، وإلى عريض ادعاءاتهم فيما يختارون لأنفسهم، وأتساءل، وإذا كنا لا نعذر أهل الدنيا على خلافهم واختلافهم، فكيف نسوّغ اختلاف هؤلاء..فيمَ..؟ وعلامَ…؟ وإلام…؟! يختلفون..

وهل فرّقهم إلا بغي توارثوه، وسوقوه، وجمّلوه، وأجمل ما فعلوا أنهم في ساعة حقيقة أسقطوه : فقرروا: لا يُجرح المعاصر بقدح معاصره. وهل أُدخل ابن تيمية وغيره من أهل العلم، السجنَ إلا بغي هؤلاء وحسدهم وضيق عطنهم، وانحطاط آفاقهم، وأن أحدهم يزعم أن من لم يشرب من كفه فليس بمسلم، ومن لم يصلّ على ذيل ثوبه فليس بمؤتمن، وما أن يفتح مسلم فمه في أمر من أمور الجغرافيا أو التاريخ أو الأدب إلا نبذوه بأسماء وألقاب.. بغيا بينهم وصدق الله وصدقت كلمات الله..

وفي سورة الجاثية الآية 17..

((وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ))

ويتمادى بهم البغي، والحقد والحسد والريبة إلى المراء، ليس فقط في المشتبهات التي قد يختلط تأويلها على كثير من الناس، بل تبلغ بهم البغضاء التي تعمر صدورهم، والحسد الذي ينهش قلوبهم، والعجب الذي يعمي أبصارهم وبصائرهم إلى الاختلاف بغيا في البينات من الأمر، البينات يعلمونها ويستيقنونها ثم يجحدونها..!!

دائما أتأمل من قول الإمام أبي حامد الغزالي كلمتين..

الأولى قوله وقد عاد بعد محنته إلى نشر العلم فقال:

“عدتُ ولكنني ما عدتُ ” يقصد أنه عاد إلى نشر العلم في الصورة، ولكن ما عاد إليه ثانيا ليس ما كان عليه أولا، كان ينشر العلم يطلب به الجاه والشرف والعلو على الأقران وتولي الولايات.. وعاد ينشر علما آخر عالمه كما كان يقول هو نفسه “أندر من الكبريت الأحمر ” هذا في عصره..

أما القول الثاني الأحب إلى قلبي وأسوقه إلى أصحاب الخاجيات

“كانت قلوب الصحابة والتابعين أنظف من ثيابهم”!!

اللهم سلّم قلوبنا من غل ومن حسد ومن ضغينة ومن كراهية لأحد من خلقك..

وعلمنا أهل العلم من الذين غسلوا قلوبنا من حمّى البغي أننا نكره في المشرك شركه، وفي الكافر كفره، وفي العاصي معصيته؛ ولا نعدو.. وأن خيلاء طاعة أو ساعة تعمر قلوبنا بكبر أو كراهية لأحد من خلق أو على أحد من خلق الله هي الحالقة تحلق الدين ولا تحلق الشعر..

اللهم زوّل عنا الظالمين، والمدعين، والمستكبرين، والباغين..