الإخوان المسلمون في سورية

تُراثُ الأمّة: بين الترَقّي في الهمّة، والتوَقّي في المُهمّة!

منذ بدايات عهد الاستعمار الحديث، في بلادنا الإسلامية، بدأت الأصوات تتعالى، حول التراث، وحول ضرورة تنقيته من الشوائب! ثمّ تطوّر الأمر، إلى صيحات تدّعي الإخلاص للأمّة، تنادي، بضرورة التخلّص من التراث، كله، غثّه وسمينه، بحجج شتّى، أهمّها: وجوب الالتحاق، بركب الغرب المتمدّن، ونسف العائق، الذي يحول بين الأمّة، وبين التمدّن، الذي جلبه الغرب الاستعماري الصليبي، إلى بلادنا

عبد الله عيسى السلامة

 

الهجوم على التراث، قديم متجدّد.. والتصدّي للهجوم، قديم متجدّد!

 

منذ بدايات عهد الاستعمار الحديث، في بلادنا الإسلامية، بدأت الأصوات تتعالى، حول التراث، وحول ضرورة تنقيته من الشوائب! ثمّ تطوّر الأمر، إلى صيحات تدّعي الإخلاص للأمّة، تنادي، بضرورة التخلّص من التراث، كله، غثّه وسمينه، بحجج شتّى، أهمّها: وجوب الالتحاق، بركب الغرب المتمدّن، ونسف العائق، الذي يحول بين الأمّة، وبين التمدّن، الذي جلبه الغرب الاستعماري الصليبي، إلى بلادنا!

 

وقد تصدّى عدد غير قليل، من العلماء والمفكّرين والأدباء، لهذه الصيحات المنكرة، وأخمدوا نارها، لكن جذوتها ماتزال حيّة، لم تنطفئ!

 

ونقف عند النصف الأوّل، من القرن العشرين، لنرى مفكّرين مخلصين عمالقة، في مقدّمتهم الأديب الكبير الفذّ، مصطفى صادق الرافعي، يتصدّون لهذا الهجوم الشرس، ضدّ تراث الأمّة، ويُفحمون الخصوم، ويفنّدون دعاواهم، بحجج قويّة، وبراهين ساطعة، ونفوس حرّة متوثّبة صلبة!

 

ومن الصيحات المنكَرة، التي راجت، في ذلك الحين، لدى أذناب الغرب، من المحسوبين على أمّتنا، صيحة الكتابة بالعامّية، وصيحة الكتابة بالأحرف اللاتينية! وهي صيحات واضحة، سهل على المخلصين الأفذاذ، الردّ عليها وتفنيدها! فراجَ، لاحقاً، شعار تنقية التراث من الشوائب، تحت مصطلحات شتّى، منها، غربَلة التراث..!

 

ونقف، قليلاً، عند الرافعي، لعِظم المهمّة التي حملها، في الدفاع، عن الأمّة وتراثها!

 

ممّا بسطه الرافعي، في كتابه: المعركة تحت راية القرآن – وهو الجزء الثاني، من كتابه القيّم، عن تاريخ آداب العرب- أن بعض المؤسّسات العلمية الصليبية، أغرته إغراءات عظيمة، ووعدته وعوداً برّاقة، بالمجد والشهرة، مقابل تخليه، عن( الجُملة القرآنية)! وكان رفضه حاسماً لهذا العرض! ثمّ كتب كتابه: المعركة تحت راية القرآن.. مبيّنا في مقدّمته، هذا العرض المغري، ورفضه له!

 

إلا أن أصداء الصيحة القديمة، حول تنقية التراث، ماتزال قائمة، حتى اليوم، تتردّد، بين الفينة والفينة، فيُخدَع بها مَن يُخدع، ويروّج لها مَن يروّج، ويُهملها مَن يُهمل!

 

وعند الوقوف، أمام هذه الصيحة وأصدائها، نرى جهوداً كافية، بذاتها، للردّ، على الصيحة وأصحابها!

 

على مستوى البحوث والدراسات الأكاديمية، وغيرها، كُتبت بحوث ودراسات،علمية أكاديمية، بالآلاف، من رسائل ماجستبر، وأطروحات دكتوراة.. في مؤسّسات جامعية كثيرة، جدّاً، حول ألوف الكتب القديمة، في سائر العلوم التراثية، من: سنّة نبوية، وسيرة نبوية، وتفسير قرأن، وفقه، وأصول فقه.. وتاريخ، وأدب – من شعر ونثر- وتاريخ أدب، وعلوم لغة، ومعجَمات جامعة للغة! ولم يُترك شخص قديم بارز، إلاّ سُلط ضوء كاشف، عليه، وعلى مؤلفاته: دراسة وتحقيقاً وتوثيقاً، ومع الدراسة والتحقيق والتوثيق، تكون الغربلة والنخل، وتمييز الصحيح من الزائف، والثابت من المَنحول! وذلك، كله، يتمّ بوعي، وأخلاص علمي؛ لأن الباحث يحرص، على صحّة مايكتبه، أو يحقّقه، أو يتحقّق منه؛ توقّياً لخطأ، تحاسبه عليه اللجان، التي تناقشه، في بحثه، فتمنحه الشهادة، أو تحجبها عنه، أو تطلب منه، إعادة النظر، فيما كتب! فهو يستنفر همّته، ليُنجز، بإتقان، مهمّته، ويتوقّى من أيّ خطأ، أوتقصير؛ ليبرئ ذمّته منهما، أمام فاحصيه.. حتّى لولم يكن حريصاً، على إبراء ذمّته أمام ربّه، في هذا الأمر، أوغيره!

 

ومايزال التراث، بشتّى علومه ومعارفه، منهلاً عظيماً، للباحثين والدارسين، في المؤسّسات الأكاديمية، وغيرها، يغربَل منه، ويُنخَل، ويُحقّق.. عشرات الكتب والمصنّفات، كلّ شهر، أو كلّ أسبوع!

 

فهل يطلب المطالبون: بتنقية التراث، أوتنقيحه، أو غربلته، أو نخله.. هل يطلبون، من جهة محدّدة، أن تقوم، وحدها، بهذه الجهود، كلها؛ سواء أكانت: لجنة، أم هيئة، أم جامعة، أم مَجمعا، أم دولة..!؟ أم يتصايحون، لنسف التراث، من أساسه، وبسائر علومه ؛ لنسف الأمّة من جذورها، تحت شعار تنقية التراث!؟ وقد ظهرت نيّاتهم المخبوءة، في دوَل، عدّة، حين دعوا، إلى نسف الأحكام الإسلامية، في قضايا الأسرة، من: زواج وطلاق وميراث، وغيرها، وجعْل هذه الأحكام، بَشَرية خالصة، نابعة، من عقل فلان الصهيوني، أومزاج فلان الصليبي!

 

إخوان سورية