بقلم: أسامة محمد الحمصي

خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رضي اللهُ عنها:

السيّدة الجليلة أمّ المؤمنين خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ الأسديّة القرشيّة. خّدِيجَةُ الكُبْرى رضي اللهُ عنها.

المرأة السيّدة العظيمة الحكيمة الحازمة، الصابرة المُصابرة، الكاملة في دِينها وخُلُقِها وأخلاقِها وعقْلِها وتصدِيقِها للنبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم.

هي مِن أشرف سادات قريش، وذات شرف عظيم ونَسَب عريق، وكانت صاحبة مال وتجارة.

وخديجة رضي اللهُ عنها مِنْ فُضليات النساء، رجاحة عقل، وكرم أخلاق، واتّصفتْ بالفطنة والذكاء، والصبر والسخاء.

اختارها اللهُ سبحانه وتعالى لتكون رفيقة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم في بداية حياته الزوجيّة، وفي بداية بعثته، فكانت نِعْم السَكن، ونِعم الأنيس، ونِعم الرفيق، ونِعم النصير.

وكانت خديجة رضي اللهُ عنها خير مُعَاشِرٍ لرسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم، وكانت له نِعم الزوج. فقد آمنتْ به إذْ كَفَر الناسُ، وصدّقته إذ كذّبه الناس، وواسته بمالها إذ حرمه الناس، ورَزَقَه اللهُ منها الولدَ.

آزرَته على النُبوّة وجاهدتْ معه، وصبرتْ معه وواسته بنفسها وبكلّ ما آتاها الله سبحانه من نِعَم.

تزوجها رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم قبل البعثة، وكانت أرملة، وكانت سنّها أكبر من سنّه بسنوات.

وجميع أولاده صلّى اللهُ عليه وسلّم، غير سيدنا إبراهيم، منها، فأما الذكور فماتوا وهم صغار، وأمَّا الإناث فبلغن ونكحن ووَلَدْنَ.

وكانتْ خديجة وزيرة صدق على الإسلام، وكان النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم يسكن إليها.

وكانتْ رضي اللهُ عنها عاقلة حكيمة، تكون حيث يكون النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، وتحبّ ما يحبه، وتتمنى ما يتمناه، آمنتْ بالدعوة، وعبدتْ ما كان يَعبد في صدق وإخلاص.

ولذلك فقد استحقتْ التقديرَ من رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم. ففي صحيح ابن حبان: قَالَ صلّى اللهُ عليه وسلّم: “إِنِّي رُزِقْتُ حُبَّهَا”، تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

قال في شرح النووي على مسلم: (قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “رُزِقْتُ حُبَّهَا” فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حُبَّهَا فَضِيلَةٌ حَصَلَتْ).

فالرزق ليس محصورًا في المال، فقد يكون الرزق محسوسًا كالمال وغيره، وربما كان غير محسوس كالمذكور آنفًا، والصحة رزق والعافية رزق.

قال الغزالي في فقه السيرة:

(وخديجة مَثَلٌ طيّب للمرأة التي تُكمّل حياةَ الرجل العظيم.

إنّ أصحاب الرسالات يحملون قلوبًا شديدة الحساسية، ويَلْقون غبنًا بالغًا مِنْ الواقع الذي يريدون تغييره، ويُقاسون جهادًا كبيرًا في سبيل الخير الذي يُريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهّد حياتهم الخاصّة بالإيناس والترفيه، بله الإدراك والمعونة! وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمّد صلّى اللهُ عليه وسلّم أثر كريم).

ومن الفضائل العظيمة لهذه السيدة الجليلة:

1 – هي مِنْ خير نساء العالمين ومن سيّداتهن.

فعن عليّ بن أبي طالب رضي اللهُ عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم يقول: “خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ” متفق عليه.

وجاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم عن الرسول صلّى اللهُ عليه وسلّم:

“إِنَّ أَفْضَلَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ”.

فهي وابنتها فاطمة رضي اللهُ عنهما مِنْ خير نساء العالمين ومن سيّداتهنّ.

2 – هي أوّل مَنْ آمن بالنبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم وصَدّق برسالته. أي: كانتْ المؤمنة الوحيدة برسالة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم بداية الدعوة.

3 – كانتْ رضي اللهُ عنها ذات ذكاء وقّاد، وصاحبة فِراسة ونظرة صدق، حين وقَفَتْ وقفتها العظيمة الحكيمة مع النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم في بداية نزول الوحي، وقفة مَنْ عَرفتْ ربّها وعظمته، ومن خبرتْ عظَمَة زوجها وكريم شمائله، فأوضحَتْ صفاتَ النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم بكلماتٍ واضحات شاملات مُعبّرات، حين قالت:

“وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ؛ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ؛ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ؛ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ؛ وتَقْرِي الضيفَ؛ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ”. متفق عليه.

فكلّ خَصْلَة فيما ذكرتْهُ رضي اللهُ عنها تدلّ على أخلاق كريم، وكريم أخلاق، فكيف وقد جمعهنّ كلهنّ رسولُ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم.

فما أعظمه من إنسان، وما أعظمه من نبيّ ورسول، صلّى اللهُ عليه وسلّم.

وما أعظمها من امرأة عَرفتْ زوجَها حقّ المعرفة، وَقد جمعتْ جَمِيع أَنْوَاع أصُول المكارم وأمهاتها فِيهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وما أعظم موقفها في ساعة يذهل فيها الحليم ويحار.

وفي هذا أعظم دليل وأبلغ حجة على كمالها، وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وثبات قلبها، وعِظم فقهها، رضي اللهُ عنها.

4- سلامُ الله عزّ وجلّ والروحُ الأمين عليها:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنه قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ عليه السلامُ النَّبِيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم فَقَالَ:

“يَا رسولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدام وَطَعَام، فَإِذَا أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ”. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

جاء في فتح الباري لابن حجر (بتصرف):

(زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَالَتْ: هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ السَّلَامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ. وِلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يقرىء خَدِيجَةَ السَّلَامَ، يَعْنِي فَأَخْبِرْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ وَعَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ … قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى وُفُورِ فِقْهِهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ … فَعَرَفَتْ خَدِيجَةُ لِصِحَّةِ فَهْمِهَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا يُرَدُّ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ … فَجَعَلَتْ مَكَانَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ.

ثُمَّ غَايَرَتْ بَيْنَ مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ وَمَا يَلِيقُ بِغَيْرِهِ فَقَالَتْ: وَعَلَى جِبْرِيلَ السَّلَامُ.

ثُمَّ قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَرْسَلَ السَّلَامَ وَعَلَى مَنْ بَلَّغَهُ).

5 – كثرة ثناء النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم على خديجة:

فكان صلّى اللهُ عليه وسلّم دائم الذِّكر لها، والاعتراف بفضلها.

عَنْ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها، قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم يَوْمًا خَدِيجَةَ، فَأَطْنَبَ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهَا. مسند أحمد ط الرسالة تحقيق الأرنؤوط وآخرين.

وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم:

عَنْ عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَذْبَحُ الشَّاةَ فَيَتَتَبَّعُ بِهَا صَدَائِقَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي اللهُ عنها. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.

6 – وهي أوّل امرأة يتزوجها رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم.

ولم يتزوّج عليها رسول الله صلّى اللهُ عليه وسلّم في حال حياتها.

وهي أوّل امرأة ماتتْ مِنْ نسائه، إذ ماتتْ قبل الهجرة بثلاث سنين، وذلك قبل الإسراء والمعراج.

فهذه، على عجالة، سيرة أمّنا خَدِيجَة بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، خديجة الكبرى، رضي اللهُ عنها. رفيقة النبيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم في بداية حياته الزوجيّة وبداية البعثة، وزوجته في الجنّة.