يعجب المسلم اليوم ممن يصطنع، بغفلةٍ منه أو حماقة، فجوةً بين الفقه الإسلامي والحديث النبوي، في الوقت الذي يواجه الإسلام سهام العدوان من أقوام لا يرتضون فقهاً ولا حديثاً… بل لا يرتضون قرآناً ولا إسلاماً.

 

يقف أحدهم عند حديث نبوي فيرى فيه حكماً شرعياً قد يخالف ما عليه بعض المذاهب، فيأتي مَن يقول له: إن الأحكام تؤخذ من كتب الفقه لا من كتب الحديث!.

 

ويأتي مَن يسأل عن حكم مسألة في الشرع فيفتيه أحدهم في المسألة، فيسأل عن دليل تلك الفتوى فيُجاب: أأنت مجتهد أم مقلّد؟!. وبطبيعة الحال فإنه لا يملك أن يقول: أنا مجتهد، ولو قالها لرُدّ عليه: ما دمت مجتهداً فلماذا تسأل؟! أما إذا أجاب: أنا مقلّد، فيقال له: يكفيك إذاً ما أجبناك به.

 

وكل من الرجلين: الذي تناول الحكم من الحديث النبوي، والذي طلب الدليل على الفتوى، كل منهما يحبّ الله ورسوله، ويرمي إلى الحكم بشرع الله، فلا ينبغي صدُّهما وتنفيرهما، وإنما ينبغي تبصيرهما والترفّق بهما، ومعاملتهما بما يقربهما إلى الله تعالى. وقد علّمنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الترفّق بمن قال له: ائذن لي بالزنى، وبمن بال في المسجد، فكيف لا نترفق بمن يحرص على التعرف إلى حكم الله تعالى؟!.

 

هذا الأسلوب في صدِّ مَن يطلب الدليل، وفي الردّ على مَن يأخذ الحكم من الحديث النبوي، يوجد الفجوة بين الفقه والحديث. ولم تكن هذه الفجوة قائمة لدى الأئمة الكبار، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد والأوزاعي وعبد الرحمن بن أبي ليلى… لقد كان هؤلاء الأئمة فقهاء وعلماء في الحديث، وما كانوا يُفتون في مسألة إلا مرفقة بدليلها من كلام الله تعالى وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، إما بتصريح دلّ عليه النصّ، أو بإشارة أو علّة أفادت قياساً…

 

وصحيح أن أولئك الأئمة بشر يصيبون ويخطئون، إلا إنهم، وقد امتلكوا ناصية العلم، صوابُهم أصل، وخطؤهم نادر، وهم مأجورون فيما أصابوا وفيما أخطؤوا.

 

وماذا ينبغي للمسلم اليوم حيال مَن يطلب دليلاً، أو مَن يريد أن يستنبط الحكم بنفسه من آية كريمة، أو حديث نبوي؟!.

 

أولاً: إن من حق المسلم أن يسأل عن دليل أي حكم. والمسؤول إما أن يعرف الدليل فيُظهره ويشرحه بقدر ما يبْلُغُه عقل السائل، وإما أن يعتذر بأنه لا يعرف الدليل، وإنما ينقل الحكم من بعض الكتب أو من أفواه بعض المشايخ. ولا بأس عليه في ذلك، ومَن قال: لا أدري، فقد أدّى ما عليه.

 

ثانياً: عندما يجد المسلم نصّاً من كتاب أو سنّة، ويرى في هذا النص حكماً شرعياً، فلا ينبغي أن يتسرّع فيظن نفسه قد ملك علم الأولين والآخرين، لا سيما إذا لم يعلم بأن إماماً من أئمة الفقه قد قال بذلك الحكم. فماذا عليه أن يفعل؟.

 

إذا كان النص آية كريمة، أو حديثاً نصّ على صحته أئمة الحديث، فقد تجاوز مرحلة التوثيق. وإن كان دون ذلك فلا بد أن يَرجع إلى أقوال علماء الحديث ليقف على درجته. فإذا تأكّدت له صحته فقد أنجز الخطوة الأولى.

 

أما الخطوة الثانية فهي أن يعلم تفسير الآية أو شرح الحديث. وهناك كتبٌ لأئمة كبار عُنُوا بتفسير آيات الأحكام وأحاديثها، واسْتَقصَوا النصوص المتعلّقة بالمسألة، وبيّنوا ما أشكلَ من معانيها، وما بدا متعارضاً بينها، فجمعوا بين تلك النصوص، أو رجّحوا بعضها على بعض، أو قالوا بنسخ بعضها… وكل ذلك وفق قواعد منضبطة.

 

وماذا بعد ذلك؟!.

 

سيصِل، في الغالب، إلى ما يراه الأصوب والأرجح فيأخذ به. ولكن حَذارِ من أمرين:

 

الأول: أن يكون ما وصل إليه لم يقل به أحد من الأئمة المجتهدين، سواء في مسألة بَحَثَها الأئمة المتقدمون، أو في مسائل مستجدّة اجتهد فيها بعض علماء العصر.

 

الثاني: أن يظن أنّ ما وصل إليه هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيدفعه ذلك إلى تسفيه القول المخالف، والانتقاص من مكانة أصحابه.

 

إنّ أقصى ما يسَعُه قوله: أنا أميل إلى هذا القول وأرجّحه.

 

وليس المسلم مُلزَماً بتقليد واحد من الأئمة المجتهدين. فحتى الذين يرون أنه لا بد لغير المجتهد أن يقلّدَ أحد المذاهب الأربعة، لم يُلزموه بالتزام مذهب واحد في كل أموره. قال الإمام عز الدين بن عبد السلام [صفحة 133 – دار المعرفة – بيروت]: يجوز تقليد كل واحد من الأئمة الأربعة رضي الله عنهم… ولا يتعيّنُ عليه تقليد واحد بعينه في كل المسائل.

 

ورجّح الإمام النووي والزركشي وغيرهما من فطاحل العلماء أن الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يجب على العوام تقليد مجتهد بعينه، ولا التزام مذهبه في كل الفروع الفقهية.

 

اللهمّ ألهمنا الصواب في القول والعمل، وآتنا الحكمة في كل أفعالنا، وارزقنا الإخلاص لك.