الإخوان المسلمون في سورية

محمد بن القاسم الثقفي

 
نقرأ كل يوم ونسمع قصص أبطال يسطّرون ملاحم البطولة على أرض الشام، فيذكرنا هذا قصص أبطال خلوا في تاريخنا المجيد، ونختار منها قصة الفتى العبقري محمد بن القاسم فاتح السند.
قصة هذا البطل مثيرة رائعة، مفرحة، محزنة!
لنبدأ من رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف بلد بني ثقيف التي يُنسب إليها هذا الفتى، فلقد آذى بنو ثقيف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه مَلَك الجبال يقول: يا محمد… إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَين (وهما جبلان بمكة: أبو قيس والأحمر)!. فيقول النبي الرحيم: “بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده، لا يشرك به شيئاً”!.
ولعل بطلنا الثقفي من بركات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويبدو أن بني ثقيف كانوا ذوي شدة وغلظة، فحين يؤمنون يكونون ذوي بأس شديد على الأعداء. وقد يظهر بأس بعضهم على أبناء دينهم، كما يظهر على أعدائهم، وهذا ما تجسّد في شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي.
فلنتعرف إلى شخصية البطل محمد بن القاسم في سطور:
* إنه محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي، صهر الحجاج وابن عمه.
* ولد في الطائف عام 72 هـ (691م).
* وفي سنة 75هـ أصبح الحجاج والياً على العراق والولايات الشرقية، في عهد عبد الملك بن مروان، فعَيّنَ الحجاج عمه القاسم والياً على البصرة، وبذلك عاش الطفل محمد بن القاسم في البصرة.
* كانت أسرة محمد بن القاسم من أكثر القوم قادةً وأمراء.
* وكان محمد بن القاسم أحد القادة الخمسة الأفذاذ في عهد الوليد بن عبد الملك. والأربعة الآخرون هم: قتيبة بن مسلم وموسى بن نصير ومسلمة بن عبد الملك وطارق بن زياد.
* بنى الحجاج مدينة (واسط) لتصبح معسكراً لجنده. وفي هذه المدينة تربى محمد بن القاسم على الجندية، وبرزت شجاعته وعبقريته.
نبوغ الفتى وانتصاراته
كان محمد بن القاسم يسمع عن بلاد السند (باكستان حالياً)، فقد بدأت محاولات التقرب إليها في عهود الخلفاء عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ثم تمكن الأمويون في عهد معاوية بفتح إقليم (مكران) من أقاليم السند.
والآن أصبح الفتى شاباً في السابعة عشرة من عمره، وأصبح الوليد بن عبد الملك خليفة المسلمين، وما زال الحجاج والياً على العراق، وكانت سوق الجهاد قائمة، وارتفعت راية الإسلام فوق البلدان القريبة فالقريبة…
وحدث في سنة 88هـ أن البوارج الهندية استولت على سفينة تحمل نساء مسلمات، فنادت إحدى النسوة: يا حجّاج! وبلغت الاستغاثة الحجاج فقال: لبيك!. وكانت استغاثة امرأة كافية لتتحرك الجيوش لإغاثتها، كالذي حصل كذلك في زمن المعتصم العباسي، وفي زمن المنصور بن أبي عامر الأندلسي
رب وامعتصماه انطلقت
                                           ملء أفواه الصبايا اليُتَّمِ
لامستْ أسماعهم لكنها
                                             لم تلامس نخوة المعتصم
وجهز الحجاج ستة آلاف مجاهد بكامل العدة والعتاد، ولم يجد من يوليه على هذا الجيش أفضل من القائد الشاب محمد بن القاسم، الذي قال فيه الشاعر حمزة الحنفي:
إن المروءة والسماحة والندى
                                          لمحمد بن القاسم بن محمد
ساسَ الجيوش لسبْعَ عشرةَ حَجَّةً
                                           يا قُرْبَ ذلك سؤدداً من مولد!
وتوجه القائد الشاب يفتح البلدان التي في طريقه إلى السِّند، فمضى إلى مكران حيث انضم إليه ستة آلاف مقاتل آخر، ثم نحو مدينة (فنزبور) ففتحها وهزم جيوش الملك (داهر)، ثم إلى مدينة أرمائيل ثم إلى (الديبُل) أكبر مدن السند وأهمها. فنصب هناك منجنيقاً ضخماً (سماه العروس) وحاصر المدينة حصاراً طويلاً ثم قصف المدينة وتمكن من فتحها، وبنى فيها مسجداً، وترك بها حامية من أربعة آلاف جندي. وأصبحت الديبل أول مدينة إسلامية في الهند. ثم تمكن من قتل (داهر) أكبر ملوك السِّنْد وواصل فتوحاته حتى وصل إلى مدينة المُلتان وحاصرها ثم قطع عنها الماء حتى استسلمت.
وكان هذا القائد أصغر فاتح إسلامي عرفه التاريخ!.
وكان من شأنه أنه يحرص على تحقيق السلام والمحبة والسماحة، ما وسعه ذلك، وكان يحفظ وصية ابن عمه الحجاج: “إذا أردت أن تحتفظ بالبلاد فكن رحيماً بالناس، سخياً في معاملة من أحسنوا إليك. ولْيعرف الناس شجاعتك، وأنك لا تخاف الحرب والقتال”. وكأنه يقول له: اجعل الناس يحبونك ويرهبونك.
وقد التزم محمد بن القاسم بهذه الوصية أكثر من التزام الحجاج الذي قدّمها له!.
نهاية مأساوية
مات الحجاج بن يوسف ثم مات الوليد بن عبد الملك، وتولى الخلافة أخوه سليمان بن عبد الملك الذي ولّى على العرّاق صالح بن عبد الرحمن ليحل محل الحجاج، وكان الحجاج قد قتل أخا صالح لأنه يؤمن بفكر الخوارج، فانتقم صالح من أنصار الحجاج، وانصبّت نقمته على البطل محمد بن القاسم فأتى به مقيّداً وسجنه وعذّبه حتى مات تحت التعذيب سنة 95هـ، وعمره 23 سنة!.

محمد عادل فارس