مهما تكلم المتكلمون من علماء سيرة ومفكرين وشعراء… عن جوانب العظمة والكمال في شخص النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، يبقى مجال لكلام كثير، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة لكل مَن يبغي الحق والخير والسداد.

ومن الجوانب الجديرة بالتناول في سيرته العطرة أنه القدوة في تأليف القلوب. وهذا الخُلق لم يكن مجرد شعار رفعه، أو فكرة نادى بها، أو موقف عارضٍ ظهر منه، عليه الصلاة والسلام، بل كان خُلُقاً له رافقه في أحواله جميعاً، وكان المهاد الذي جمع القلوب حوله، بل كان كذلك الجامع لقلوب الأصحاب في كيان واحد. فإذا كان من طبائع البشر أن تختلف القناعات والأمزجة والميول والاجتهادات… فإن الاجتماع على الإيمان بالله تعالى وحبّه وخشيته والتطلع إلى رضوانه… بقيادة النبي الحكيم الكريم المعلّم… جدير بأن يوحّد الصفّ، ويجمع الكلمة، وينأى عن الخلاف.

ونذكر ههنا نماذج من الأمور البسيطة، والأمور الكبيرة، التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم القائد المحبوب المطاع، المؤلّف للقلوب، وجعلت الصحابة من حوله يحبّونه ويجلّونه، ويحبّ بعضهم بعضاً:

– في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين. والله ما قال لي: أفّاً قطّ، ولا قال لي لشيء: لمَ فعلتَ كذا، وهلّا فعلتَ كذا.

فهل مِثلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن يسمو بخُلقه هذا السموّ؟!.

– وروى البخاري ومسلم أن امرأة سوداء كانت تقُمّ المسجد [تنظّفه]، فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ماتت. فقال: أفلا كنتم آذنتموني [أعلمتموني بموتها]؟ قال: دُلّوني على قبرها. فدلّوه، فصلّى عليها.

وفي رواية لأبي الشيخ الأصبهاني أن هذه المرأة كانت تدعى أم محجن.

إذاً كان يهتم بامرأة بسيطة كانت تخدم المسجد وتقوم بتنظيفه.

– ومما وصَفَ به عليّ (كرّم الله وجهه) رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنه:

“كان يؤلّفُ أصحابَه ولا يفرّقهم، ويُكرم كريمَ كل قوم ويولّيه عليهم، ويَحذَر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بِشْرَه وخُلُقه، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسّن الحسَن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهنه…

“وكان إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه…

“وكان دائم البِشر، سهل الخُلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب…”.

لقد كان صلى الله عليه وسلم كذلك وأكثر من ذلك، فكيف لا يأسر قلوب المؤمنين؟ وكيف لا نحبّه أكثر مما نحبّ أنفسنا وأهلينا؟

– روى الإمام أحمد في مسنده: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك. استبْقِهم واستأنِ بهم، لعلّ الله يتوب عليهم.. وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، فاضرب أعناقهم.. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم اضرم عليهم ناراً…

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة. وإن مَثَلَك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: (فمن تبعني فإنه مني، ومن عصاني فإنك غفور رحيم)… وإن مَثَلَك يا عمر كمثل نوح قال: (ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّاراً)…

نعم، لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لكل واحد من أصحابه مثلاً بأحد الأنبياء!. فهل من أسلوب أعظم منه وأجمل، في تطييب القلوب؟!.

– وروى البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الأحزاب: لا يصلينّ أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، وقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، ولم يُرِد ذلك منا. فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحداً منهم.

فهل لنا أن نستوعب اجتهادات العاملين في حقل الإسلام، فنتعاون مع من نرضى اجتهاداته، ونلتمس العذر لمن نخالفه، ونقتدي برسولنا وحبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم؟.