الكَنْـزُ التاسع: الناس سَوَاسِية ، وأكرمُهُم هو أتقاهُم

 

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات: 13).

 

لنتدبّر في تفسير الآية الكريمة

 

1- بعد أن تحدّثت الآيات السابقة عن حقائق الأخوّة الإيمانية التي يجب أن تسودَ في مجتمع الأمة المسلمة، وتحدّثت عما يتناقض مع هذه الحقائق، لتحثّ المسلمين المؤمنين على الابتعاد عن الأخلاق السيئة.. بعد ذلك.. توجّه الخطاب إلى الناس أجمعين.. إلى الأمم كلها!.. فانتقل بذلك الخطاب من داخل الأمة المسلمة.. إلى خارجها!.. وفي ذلك عبرة عظيمة، هي أنّ الأمة الإسلامية التي تريد أن تُنقِذَ أممَ الأرض من جاهليتها وشِركها وباطلها، وتنهض بأعباء الدعوة إلى الله عزّ وجلّ لهداية البشر.. عليها أولاً أن تتمتّعَ بِقِيَمِ الإيمان في مجتمعها وعلاقاتها الداخلية، لأنه إذا فُقِدَت هذه القيم من داخل هذه الأمة المسلمة.. فلن تكونَ مؤهَّلةً لنقل هذه القِيَم العظيمة إلى أمم الأرض الأخرى!..

 

2- فبعد أن انتهت الآيات من إبراز أركان القوّة للمجتمع المسلم والأمة المسلمة.. انتقل الخطاب إلى الإنسانية كلها، ليبيّن أنّ الإنسان من أصلٍ واحدٍ، ومن أبٍ واحدٍ وأمٍ واحدة، فالناس من آدم عليه السلام وحوّاء.. ومهما اختلفت الأجناس والأعراق والألوان.. فكلهم خُلِقوا من أصلٍ واحد.

 

3- وعلى الناس جميعاً ألا يختلفوا ويتفرّقوا، مهما اختلفت صفات شعوبهم وقبائلهم.. بل عليهم أن يتعارفوا، والتعارف دليل التآلف والتعاون والمحبة والمودّة.. وهي الأمور التي يحثّ عليها القرآن الكريم.

 

4- فالناس جميعاً، بألوانهم وأجناسهم وأعراقهم ولغاتهم وأوطانهم.. خَلَقَهم إله واحد، وهم من أصلٍ واحد.. فلا فوارق بين البشر في هذه الأمور، وليس هناك تفاضل بالأحساب والأنساب.. وإنما التفاضل الحقيقيّ يكون بمدى التخلّق بحقائق العبودية لله عزّ وجلّ، فهو الخالق الذي خلقهم جميعاً.. وكذلك التفاضل يكون بمدى الالتزام بما تمليه حقيقة هذه العبودية لله سبحانه على الإنسان.. والتسابق والتنافس بين الناس ينبغي أن يكون بالتقوى، في ظل عبودية البشر كلهم لخالقهم الواحد الأحد.

 

5- فلا عصبية للجنس، أو للون، أو للعِرق، أو للقبيلة، أو للعشيرة، أو للجماعة، أو للفئة، أو للعائلة، أو للمجموعة.. ولا إقليمية، ولا طائفية.. وإنما العصبية لله عزّ وجلّ وحده، ولدينه، وللمحبّة التي تُعلِّق قلوبَ الناس أجمعين به سبحانه وتعالى.

 

إذن: لا حواجز نفسية بين الناس في ظل الإسلام.. وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دَعُوها فإنها مُنتنة..)، أي: اتركوا العصبية.. إلا العصبية لله عزّ وجلّ ودينه، وللحق من غير الباطل.

 

6- إنّ الله عزّ وجلّ عليمٌ بكم، خبيرٌ بأسراركم.. عليمٌ بأعمالكم، خبيرٌ ببواطنكم وظواهر أحوالكم.. وكل هذا يقتضي منكم الالتزام الكامل بما يأمركم به سبحانه وتعالى، وبما يدعوكم للتمسّك به أو تركه من أعمالٍ وسلوكٍ وأخلاق.

 

لنتدبّر في الدروس والعظات المستوحاة من القسم الثاني للآية الكريمة

 

1- الناس من أصلٍ واحدٍ ولهم خالق واحد، فلا تفاضل بينهم إلا بمقدار قربهم أو ابتعادهم عن خالقهم، وحسب درجة التزامهم بشرعه ومنهجه وتعاليمه.

 

2- العصبية الجاهلية مدمِّرة للإنسان، وعلى أي أمرٍ بُنِيَت هذه العصبية.. فإنها تتناقض كلياً مع حقائق الإسلام والإيمان.. فالناس في ظل المجتمع الإسلاميّ سواسية، ولا تفاضل بينهم إلا بالعمل الشريف وتقوى الله عزّ وجلّ، وكل تفاضلٍ يُبنى على الجنس أو القرابة أو اللون أو العائلة أو القبيلة أو.. هو تفاضل باطل بحكم الله سبحانه، وبحكم دينه ومنهجه.. باطل جملةً وتفصيلاً.

 

3- كرامة الإنسان في الأمة المسلمة، تُقاسُ بمدى تحقُّق شروط العبودية لله عزّ وجلّ، ومدى قرب الناس من، أو ابتعادهم عن عبادة الله الخالق الواحد الأحد.. العبادة الحقيقية، بالفكر والعمل، والمنهج والسلوك والأخلاق، وتنفيذ منهج الإسلام وشرعه ودستوره.

 

* * *
من أهم المراجع:

(تفسير ابن كثير)، و(في ظلال القرآن) للشهيد سيد قطب، وكتاب (البيّنات في تفسير سورة الحجرات).