الإخوان المسلمون في سورية

“ولا تحسبنّ اللهَ غافلاً عما يعملُ الظالمون”

د. محمد خازر المجالي

 

لا يمكن لهذا القرآن إلا أن يكون باعثاً على الطمأنينة، ليس بحروفه وتلاوته أو سماعه فحسب، بل بآثاره العجيبة التي تنقل قارئه أو سامعه إلى آفاق من اليقين به سبحانه، صاحب العظمة والجلال، الخالق فلا يعجزه شيء، الحكيم فلا يجري في ملكه إلا ما قدّره وفق مشيئته وحكمته، سواء بدا هذا الشيء لنا خيراً أو شراً، فقد قال وقوله الحق: “وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون”، وقد وصف الله في أكثر من آية مشاعر المؤمن الصادق وهو يقرأ أو يسمع القرآن، منها: “الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد”.

 

للقرآن تأثيره العجيب في النفوس إذا صفت وعقلت، ولا عجب، فهو كلام الله، وكل شيء مرتبط بالله ميزته كالفرق بين الله وخلقه، وكل ما سواه مخلوق، وشتان بين الخالق والمخلوق، من هنا نأنس ونطمئن إلى هذا القرآن، وقد تنوع خطابه بين تأسيسٍ للإيمان وتوضيحٍ لمبادئه وتصحيح للفكر، وتشريعٍ يضبط العلاقات مع الله والنفس والناس على اختلاف أصنافهم، وأخلاق تزكي النفس وترتقي بها.

 

وشاءت حكمته سبحانه أن يكون في هذه الدنيا شر وظلم، ومشيئتها لا تعني حبها، فالدنيا دار ابتلاء، وهَدى اللهُ الإنسانَ النجدين، طريقَ الحق وطريقَ الضلال، ووعَدَ وحذّر، والمصير في النهاية إما نعيم وإما جحيم، وفي هذه الدنيا كثير من الظلم بأصنافه، وربما يجازي الله تعالى عليه في الدنيا، وإلا فإن أفلت في الدنيا فلن يفلت يوم القيامة: “ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون، إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم، وأفئدتهم هواء”، وحينها يدرك هؤلاء الظلمة ومن معهم الحقيقة، ويتمنون كما يتمنى كل لاه لاعب مستهزئ منكر لله ولليوم الآخر أن يرجع إلى الدنيا ليستجيب لأمر الله، ولكن هيهات: “وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخّرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل، أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال! وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال، وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم، وإن مكرهم لتزول منه الجبال، فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله، إن الله عزيز ذو انتقام..”.

 

يا له من موقف، حين يندم هؤلاء، ولات حين ندم، وقد ظنوا أن مكرهم وكبرهم وتجبرهم سينجيهم، بل هم في الحقيقة لا يضعون في فكرهم مبدأ موتهم ووقوفهم بين يدي الله، لأنهم لا يؤمنون بالله، ولو آمن بعضهم فغروره ونفسه قد تشبّعت الضلال فقست القلوب وتجبرت وطغت، فلا يجول في فكره إيمان ولا آثار إيمان، وهؤلاء أنى لهم أن يروا بصيص نور يزيل عتمة قلوبهم وعقولهم، ولكن الله لهم بالمرصاد، ولن يترك أولياءه، ولن يبق هؤلاء الظلمة يرتعون في الدنيا كما يشاؤون، فالأيام دول: “وتلك الأيام نداولها بين الناس”.

 

إن وجود الظلم وإفلات بعض الظلمة في هذه الدنيا دليل قطعي على وجود اليوم الآخر ليحاسب الله فيه الناس، كلٌ وما قدّم في دنياه، وبعض الظلم لا محالة مكشوف أمره في الدنيا، سيما تلك الأمور المتعلقة بالتحدي لله تعالى، وما يصاحبها من تجبر وطغيان، فمصير المتجبرين اتضح للناس وعاقبهم الله تعالى في الدنيا، تمهيداً لعذابهم الأخروي، والذين تجاوزوا الحد في الظلم كذلك اتضح مصيرهم الدنيوي، خاصة إن كان أهل الحق قد بذلوا وسعهم في الأخذ بالأسباب، ولم أجد في كتاب الله مصير مؤمنين قضي عليهم إلا ما فعله أصحاب الأخدود بالمؤمنين، ولم يتحدث النص عن مصير الظلمة كعادة النص القرآن في الاقتصار على العبرة، فهؤلاء رغم قتلهم فقد انتصروا على الطغاة، لأن مَلِكَهم كان يريد أن يعبدوه، ولكن انتصرت العقيدة على الحياة كما يقول سيد قطب، ففضلوا القتل مؤمنين على الحياة كافرين، ولم يحقق ذلك الملك غايته.

 

هل يحسب الظالم -أنى كان- أنه مفلت من عذاب الله؟ ألم يكثر الله تعالى في كتابه، وكذا النبي صلى الله عليه وسلم في سنته من الوعيد للظالمين، فقد حرم الله تعالى الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرما، بكل أشكاله، وأعلاه الكفر: “والكافرون هم الظالمون”، لأنهم عبدوا غير الله، فالظلم وضع الشيء في غير مكانه، والذين أشركوا أيضاً ظلمة، والذين تولوا غير الله والرسول والمؤمنين ظلمة، والذين سفكوا الدماء بغير حق واستضعفوا الناس ظلمة، والذين اعتدوا على النفس والعرض والمال، وأكلوا الحقوق وخدعوا الناس هم ظلمة، والظلم ظلمات يوم القيامة، ينسى مقترفه ربه، وينسى أنه مبعوث موقوف بين يدي الله، يمسك كتابه: “ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشوراً، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً”.

 

ما أكثر الظلم هذه الأيام! ظلم أفراد وعصابات وأنظمة ودول، يُقتل الفرد أو يسجن أو يعاقَب لا لشيء إلا أن يقول ربي الله، أو لأنه يريد الإصلاح، أو لمجرد اعتراض على أمر ما أو تعبير عن رأي، وهو الإنسان الذي كرمه الله وأعطاه حريته التي هي أهم ركن في إنسانيته، ليسلبها هؤلاء الظلمة، ويتفننوا في تشريع ما يبخس البشر حقوقهم، والعجيب أن هذا يتم على مسمع من العالم الذي يزعم التحضر والتمدن، يسمح بحرية وديمقراطية في العالم كله، إلا في بلاد المسلمين فهما محرمتان، ورحمك الله يا عمر وأنت تسطر مقولة خلدها التاريخ: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”!؟

 

شاع الظلم والقهر، وسُجِن كثيرون وعُذبوا واغتيلوا بسبب آرائهم، ومجتمع يحدث فيه مثل هذا، ويسكت الغالبية عن فعل الظلمة هم شركاء معهم في ظلمهم، وما تجبر فرعون إلا حين سكت قومه عن فعله، وما لبث سكوتهم إلا أن أصبح تأييداً له، وهنا يغدو الحق باطلاً والباطل حقاً، ولا أظن مجتمعات بهذه المقاييس لها قيمة عند الله، فلا بد هي مستأصلة مستبدلة بطريقته سبحانه، العزيز الحكيم.

 

نسأل الله أن يهيئ لهذه الأمة أمر رشد يُعِزُّ به دينَه وأولياءه، وينتصر به للمظلومين، فلم يبق يا رب إلا أنت، نتوجه إليك بأن تنصر عبادك المقهورين المظلومين، أنت حسبنا ونعم الوكيل”.

 

الغد الأردنية

إخوان سورية