الإخوان المسلمون في سورية

الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله)؛ صفاته ومرضه ورحيله

بقلم: د. علي محمد الصلابي
تميّزت شخصيّة الدكتور السباعيّ – رحمه الله -بصفات القادة الربّانيّين من قوّة الإيمان، والعلم الربّانيّ، وذكاء حادّ، وإخلاص لدينه، وصدق متناهي، وجهاد بالمال والنفس والقلم، وكرم وسخاء، وزهد في المال والمناصب، وعزيمة قويّة، وعلوّ همّة، والإيثار ونكران الذات، والصبر والرضا، والاجتهاد النوعيّ، والجرأة في قول الحقّ، والرحمة والرقّة، وحرارة العاطفة، ورهافة الحسّ والشعور، والمروءة والسماحة، والتواضع الشديد، وحبّ البساطة، والمزاح وحبّ الدعابة، وغير ذلك من الصفات القياديّة.
ولقد قام الدكتور عدنان محمّد زرزور في كتابه الماتع والجامع عن حياة السباعيّ بذكر تلك الصفات مع المواقف شارحاً ومفصّلاً لتلك الأخلاق والصفات القياديّة الحميدة في كتابه (مصطفى السباعيّ الداعية والمجدّد).

– مرضه ورحيله:

لقد ضرب السباعيّ – رحمه الله – على المرض الذي استبدّ به سبع سنوات عجاف أروع الأمثلة في تاريخ الرجال، وفي تاريخ الإيمان في هذا الصبر، بوصفه إلى درجات عظيمة في الرضا بقضاء الله وقدره.
ومن أقواله في مرضه – رحمه الله -: “إذا أمرضك فأقبلت عليه منحك الصحّ، وإذا عافاك فأعرضت عنه فقد أمرضك”.
وقال تحت عنوان (ستّة تهوّن المصيبة): “ستّة أشياء إذا ذكرتها هانت عليك مصيبتك: أن تذكر أنّ كلّ شيء بقضاء وقدر، وأنّ الجزع لا يردّ عليك القضاء، وأنّ ما أنت فيه أخفّ ممّا هو أكبر منه، وأنّ ما بقي لك أكثر ممّا أخذ منك، وأنّ لكلّ قدر حكمة لو علمتها لرأيت المصيبة عين النعمة، وأنّ كلّ مصيبة للمؤمن لا تخلو من ثواب أو مغفرة او تمحيص أو رفعة شأن أو دفع بلاء أشدّ، وما عند الله خير وأبقى”.
أُصيب الدكتور السباعيّ – رحمه الله – بارتفاع ضغط الدم، وظهرت عليه أعراض مرض السكّر، فكان يعالج أمراضه بالأدوية والعقاقير، غير أنّه ما كان ليخلد إلى الراحة والهدوء، وفي عام 1957م وبعد عودته من رحلته العلميّة إلى الاتّحاد السوفييتيّ هجم عليه المرض وأخذ منه أكثر نصفه الأيسر، ولكنّه – رحمه الله -كره القعود والراحة واستمرّ يتابع نشاط إلقاء دروسه ومحاضراته الجامعيّة، وكان أهمّ وأكثر نتاجه العلميّ في مراحل حياته الأخيرة، حيث كان يختلس القلم والقرطاس بعيداً عن أعين الأطبّاء الذين أشاروا عليه بالابتعاد عن التفكير والاجتهاد، وقد ضرب أسمى آيات الصبر خلال أيّام مرضه فكان دائماً شاكراً لله ممتنّاً لعطائه وابتلائه، وكان شعره يعبّر عن تضرّعه ودعائه وانكساره بين يدي الله (عزّ وجلّ) وإيمانه ورضاه بقضاء الله وقدره، والتوجّه إليه سبحانه أن يهبه الصبر ويثبّته على الطريق، وممّا قاله فيها يخاطب مولاه سبحانه:
أراك جميلاً في فعالك كلّها
فهل أنت راضٍ أم تُرى أنت مغضب
ولكن ظنّي فيك أنّك معتقي
وأنّك تدنيني ولست تعذّب
وقد ختمها بقوله:
وأنزل على قلبي الجريح سكينة
وأحسن ختامي ليس لي عنك مذهب
ومن أشاعره في إيمانه بالقضاء والقدر قوله:
طال سقمي وطال فيه عنائي
ليت شعري متى يصحّ الجريح
شدّة إثر شدّة تتوالى
ها أنا اليوم في الفراش طريح
لست آسى على لذائذ عيشٍ
أو على الجاه أو الشباب أنوح
غير أنّي انتُزعتُ من بين صحبي
فارساً معلّماً بجسمي جروح
قدر الله لا يُردّ بسخط
ليس إلّا الخضوع والتسبيح
يا سهام الأقدار خلّي عنّي ثلاثاً
هي عندي وجه الحياة الصبيح
اتركي لي عقلي أفكّر فيه
وعيوني أغدوا بها وأروح
ويدي تملأ الصحائف علماً
وبلاغاً وبالشجون تبوح
وقال:
حسبي الله لا أريد سواه
هو أنسي وفي حماه أريح
ربّ لولاك ما استطعت ثباتاً
في طريقي ولا سمت بي روح
وفي ظهر يوم السبت الواقع في 27 من شهر جمادى الأولى عام 1384هـ الموافق الثالث من شهر تشرين الأوّل (أكتوبر) 1964م انطفأت الشعلة المتوقّدة، وهدأت الحركة الدائبة، وتوقّف القلب الكبير، وهكذا كانت نهاية المطاف رحلة أبديّة إلى البارئ بعد أن ترك للأجيال – رحمه الله -تاريخاً زاخراً بالمآثر الخالدة، وانطلقت جنازته من بيته في حيّ أبي رمّانة بدمشق قبل ظهر اليوم التالي لوفاته، ومضى بها الحاضرون للصلاة عليها إلى جامع بني أميّة الكبير، وقد غصّ المسجد بعشرات الألوف من المصلّين، وكان الشعور بالفجيعة وفراغ الساحة يملأ النفوس، وتمّ دفنه في مقبرة الباب الصغير التي ضمت الكثير من أجساد الصحابة والتابعين.
وقال الأستاذ ضياء الدين الصابونيّ – رحمه الله – في رثائه في قصيدة بعنوان (نم في أمان الله):
اليوم مات العلم في الفيحاء
إذ غاب عنها حجّة العلماء
يا مصطفى قد كان نعيك فجعة
أبكي البلاد وفتّ في الأعضاء
فاليوم تبكيك القلوب جميعها
في الشام، في بغداد، في صنعاء
نم في أمان الله يا علم الهدى
نم مستريح البال في نعماء
فلقد ختمت بحجّة مبرورة
وزيارة الهادي أبي الزهراء
كان الشيخ الدكتور مصطفى السباعيّ – رحمه الله -ممّن تتلمذت على كتبهم، وعشت مع أفكاره وسيرته العطرة، وشكّلت لي جزءاً من ثقافتي الدينيّة والفكريّة، أعلى الله ذكره في المصلحين، فكانت كتبه حتّى اليوم منارات يستضيء بها طلّاب العلم حتّى يومنا هذا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
– السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ.
– أخلاقنا الاجتماعيّة.
– من روائع حضارتنا.
– عظماؤنا في التاريخ.
– المرأة بين الفقه والقانون.
– السيرة النبويّة: دروس وعِبَر.
– هكذا علّمتني الحياة.
 

محرر الموقع