الإخوان المسلمون في سورية

تفكيك السجال الإعلامي حول بيان “مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في سورية”: بين المقاربة الوطنية واستراتيجيات الشيطنة الرقمية

د. محمد الشهاب
شهدت المنصات الإعلامية والرقمية مؤخراً لغطاً واسعاً وسجالاً متسارعاً تعقيباً على البيان الختامي الصادر عن الدورة الاعتيادية لمجلس الشورى لجماعة الإخوان المسلمين في سورية. ومن موقع المراقب والقارئ الحصيف للمشهد السياسي السوري، أجد أن هذا الصخب لم يكن وليد قراءة موضوعية للمضامين الحقيقية والمسؤولة التي حملها البيان، بل جاء مدفوعاً بحملة تضليلية ممنهجة أدارتها حسابات موجهة ذات خلفيات سياسية وأمنية وفكرية مكشوفة. لقد توخت هذه الأطراف استغلال طبيعة المرحلة السياسية الحساسة لإشعال فتيل أزمة مصطنعة، واختلاق استقطابات وهمية لا وجود لها على أرض الواقع السوري، وهو ما يدفعنا ككتّاب ومحللين إلى تفكيك هذه الظاهرة ووضعها في سياقها الصحيح.
إن القراءة الفاحصة والدقيقة للواقع الميداني والسياسي تُسقط أولى ركائز هذا اللغط الإعلامي، وتبدد الضبابية التي حاولت بعض المنصات فرضها عمداً. فاجتماع مجلس الشورى لم ينعقد كـسلوك استثنائي، أو رد فعل تأزيمي، أو بهدف توضيح موقف من السلطة، بل جاء كاستحقاق تنظيمي ودوري اعتيادي تقتضيه اللوائح الداخلية للجماعة. وقد اتسم البيان الصادر عنه، بتقديري، بمرونة سياسية بالغة ولغة وطنية جامعة تؤكد عمق العلاقة الإيجابية الراسخة والتنسيق المشترك مع قيادة البلاد. حيث جددت الجماعة في بيانها الدعم المطلق لجهود السيد الرئيس أحمد الشرع، مؤكدة وضع كافة إمكاناتها وخبراتها وكوادرها في خدمة استقرار الدولة وبناء مؤسساتها. وهذا في نظري يعكس التلاحم الوطني المطلوب في مواجهة تحديات المستقبل والتأسيس لدولة العدالة والقانون.
وفي سياق متصل، أرى أن محاولات الترويج لوجود خلاف حول بقاء الجماعة أو مطالبتها بحل نفسها هي قراءات تفتقر إلى الأمانة الصحفية؛ إذ لم يصدر أي طلب بهذا الخصوص من القيادة السورية. كما أنني أفسر عدم إقدام الجماعة على حل تنظيمها كباقي الكيانات العسكرية أو المؤسسات المؤقتة المرتبطة بمراحل الثورة السورية وصولاً للصراع المسلح، بأنه لا يمثل رغبة في التمايز أو التمرد على القوانين، بل يعود جوهرياً إلى اختلاف طبيعة وأسباب نشأتها؛ فهي حركة فكرية، وإصلاحية، ومجتمعية ذات امتداد تاريخي وشرعية شعبية، ولم تنتفِ الحاجة الوظيفية والمجتمعية لوجودها كرافد مدني وفكري في المشهد السوري المعاصر.
وعند رصد الآلة الدعائية المضادة، نجد أنها تحركت عبر محاور متعددة للشيطنة السياسية والوقيعة الممنهجة. ويمكنني تفكيك الشبهات التي ترتكز عليها هذه الحملة الرقمية في أربع نقاط محددة تكشف الخلفيات الفكرية والأمنية لمن يقف وراءها:

أولاً: الخلط المعرفي والمغالطة المتعمدة

تتعمد الحسابات الناشطة في هذه الحملة خلط الأوراق عبر مساواة إخوان سورية ببقية فروع الجماعة في الساحات الإقليمية، محاولة إلصاق تهمة التماهي مع المحور الإيراني بها. وهو ادعاء باطل يدحضه تاريخ طويل وممتد من الصراع الوجودي والمبدئي. فمن يتابع أدبيات الجماعة وممارساتها ومواقفها المعلنة طوال العقدين الماضيين، يدرك تماماً أنها تنظر إلى المشروع الإيراني وتمدده الإقليمي، وإلى ميليشيا “حزب الله”، كأعداء استراتيجيين، ولم تتزحزح الجماعة عن هذا الموقف الحازم بأي شكل من الأشكال، مما يجعل دندنة هذه الحسابات حول هذه النقطة دليلاً صارخاً على قصورها الفكري أو تبعيتها الأمنية.

ثانياً: العداء الأيديولوجي للربيع العربي والتغيير

ينطلق محركو هذه الحملات والجهات الداعمة لهم من عداء تاريخي ومبدئي لثورات الربيع العربي وتطلعات الشعوب في الحرية والديمقراطية. ويقيني أن هؤلاء يتحفظون على أي دور لجماعة الإخوان المسلمين لكونها تمثل القوة المنظمة الأبرز والقادرة على تقديم بديل مدني ووطني نابع من هوية المجتمع؛ ما قد يحرك شعوبهم لاستجلاب هذا المثال رغبة في التغيير، الأمر الذي تراه هذه الأطراف تهديداً مباشراً لها، فيسخرون أدواتهم الإعلامية لتشويه أي منبر منظم يملك القدرة على البناء والقيادة.

ثالثاً: الوسم بالإرهاب والمحاصرة الدولية

تسعى الحملة بعبثية واضحة إلى محاولة ربط جماعة الإخوان في سورية بالإرهاب ومحاولة إدراجها ضمن التصنيفات الدولية. والواقع والحقائق القانونية تؤكد أن الجماعة خارج هذه القوائم تماماً وتحظى باحترام واعتراف في الفضاءات السياسية الدولية. كما أن السجل الوطني للجماعة يخلو تماماً من أي استهداف لدول المنطقة أو تبني العنف العابر للحدود، وينحصر مشروعها ونضالها في الإطار الوطني السوري الخالص، وهو ما يجعل تهمة الإرهاب مجرد بروباغندا مستهلكة لا تصمد أمام الحقائق.

رابعاً: استهداف حائط الصد ومقاومة التطبيع

تظهر لي البصمة الصهيونية واضحة وجلية في الرغبة في الانتقام من الموقف المبدئي والصلب لإخوان سوريا في مقاومة المشروع “الإسرائيلي”. فالجماعة تعلن رفضها المطلق لكافة أشكال التطبيع، وتتمسك بحق استعادة الجولان والقنيطرة المحتلين، مما يجعلها مستهدفة من قبل الاحتلال وأدواته الساعية لإحداث وقيعة بين الجماعة وحاضنتها الشعبية، بغية إضعاف خط الدفاع الفكري والسياسي السوري أمام الأطماع الصهيونية التي تريد استباحة المنطقة وتفكيك قواها الحية.
إن هذه الأجندات المتقاطعة، على تنوع مشاربها السياسية والأمنية، تلتقي عند غاية خبيثة واحدة وهي: محاولة الوقيعة بين القيادة السورية بزعامة الرئيس أحمد الشرع وبين الإخوان المسلمين، باعتبارهم أكبر قوة عربية سنية مسلمة ومنظمة داخل البلاد. ويهدف هذا المخطط الخبيث، كما أراه، إلى تفكيك الكتلة الوطنية الصلبة، واختراق الجبهة الداخلية، وإغراق سورية في أتون صراعات داخلية وجانبية جديدة لتعطيل مسيرة البناء والتعافي الوطني.

الدبلوماسية العميقة والامتداد الإقليمي كرافعة وطنية

تتضح الأبعاد الجيوسياسية الهامة في هذا السجال عند قراءة العلاقات الخارجية للجماعة؛ إذ تتمتع جماعة الإخوان المسلمين في سورية بشبكة علاقات تاريخية، سياسية واجتماعية وثيقة، مع أبرز القوى الإقليمية والجهات الفاعلة في الملف السوري، وتحديداً تلك الدول التي خصتها الجماعة بالذكر والشكر في بيان مجلس شوراها الأخير، وهي: المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، ودولة قطر، والمملكة الأردنية الهاشمية.
بتقديري، لا تُمثل هذه العلاقات مجرد قنوات تواصل تنظيمية، بل هي رصيد دبلوماسي استراتيجي توظفه الجماعة لتعميق الروابط بين الدولة السورية وهذه العواصم المحورية.
إن هذا الامتداد يصب مباشرة في مصلحة سورية العليا، حيث يسهم في ترسيخ الاعتراف العربي والإقليمي بالواقع الجديد، وتثبيت أركان الاستقرار السياسي والأمني، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، بما يخدم استمرارية ونجاح النظام السياسي الجديد وقدرته على الصمود أمام العواصف الخارجية.
وفي محصلة القراءة الاستراتيجية للمشهد، يبدو واضحاً أن جماعة الإخوان المسلمين في سورية تتجاوز هذه المعارك الجانبية والمصطنعة، مترفعة عن الانجرار إلى مساجلات رقمية تهدف إلى هدر الطاقات وتشتيت الجهود الحية للبلاد.
وينصبّ تركيز الجماعة اليوم على إدراك خطورة الأوضاع الاستثنائية والمعقدة التي تمر بها سورية؛ حيث تشهد الساحة تحديات أمنية متتالية ومحاولات عبث مستمرة من أطراف تسعى لتقويض الاستقرار، تزامناً مع وضع اقتصادي خانق يتطلب تسخير كل الجهود لتأمين سبل العيش الكريم ودفع عجلة التعافي الوطني الشامل.
إن هذا الواقع الداخلي الصعب يتكامل مع إدراك عميق للتهديدات الجيوسياسية الشاملة التي تواجه المنطقة ككل في أمنها وبقائها، لا سيما في ظل مشهد دولي مضطرب يتجه بسرعة نحو مواجهات كبرى ومتعددة المحاور ومتشابكة التعقيد.
وانطلاقاً من هذا الوعي بمتطلبات المرحلة، نجد أن التوجه العقلاني يفرض الالتفاف الوطني الكامل حول القيادة الحالية ودعمها بشتى الوسائل المتاحة، تحصيناً للجبهة الداخلية وانتباهاً للمخاطر الإقليمية، باعتبارهما السبيل الوحيد لنجاة سورية والعبور بها نحو بر الأمان والاستقرار.

محرر الموقع