الإخوان المسلمون في سورية

شُمُوخُ مِئذَنَة

قصص أقصر من القصيرة (5)


كعادتهنّ، ارتدَيْنَ ثياب الصلاة، البيضاء، وتوجَّهنَ إلى المسجدِ المجاور، ودَخَلنَه كحماماتٍ بيض، يملأ الإيمانُ قلوبَهُنّ، ويدفعهنّ للإصرار على أداء الصلاة، على الرغم من قوانين مَنع التجوّل التي فرضتها قوّات الاحتلال، وقوّات الحكومة المفروضة على البلاد.. همست (رحمة):
– علينا أن نواظبَ على الصلاة في هذا المسجد، مهما كانت الظروف!..
أجابت (زينة):
– وعلينا أن نستمرَّ بدروسنا التربوية للأطفال، فضلاً عن دروس القرآن الكريم، وعلوم الحديث الشريف، والسيرة النبوية.. على أن نهتمّ بصغار البلدة، وبخاصةٍ الأيتام.. أبناء الشهداء وبناتهم!..
علّقت (ليلى):
– وعلينا كذلك، أن نبحثَ عن مؤذِّنٍ للمسجد، بعد استشهاد العم (عبد الله) برصاص القنّاص!..
تفرّقت المعلّمات الشابّات، للقيام بحملة تنظيفٍ عامةٍ للمسجد، وإزالة رسوم الصليب والعمامات السوداء، التي رسمها جنود الاحتلال ومُرتزقتهم، على جدران المسجد، وعلى المنبر وبعض المصاحف الممزَّقة. في هذه الأثناء، حطَّت حمامتان في صحن المسجد، فتوجّهت إليهما (رحمة)، وقدَّمت لهما بعض الماء في وعاءٍ صغيرٍ معدنيٍّ قديم.. وبعد أن ارتوت الحمامتان، قفزتا إلى الأعلى، وحلّقتا لِتَحُطّا على سطح المسجد.. تابعتهما (رحمة) بنظرها، فوقعت عيناها على جدران المئذنة المرتفعة جداً، المشوَّهة بالثقوب والفجوات، التي سبّبتها القذائف العشوائية لقوّات المحتلّين وحلفائهم!..
بعد انتهائهنّ من أعمال التنظيف والترتيب، اجتمعت الفتيات قرب المحراب، للتشاور في طريقة دعوة الأطفال، وتنظيم الدروس، وتأمين كل المستلزمات لذلك.. قالت (رحمة):
– لكن قبل كل شيء، يجب أن نُرَمِّم المئذنة، ونؤمّن مؤذِّناً مناسباً!..
– (زينة): المهم الآن الأذان، أما الترميم.. فيمكن إنجازه فيما بعد.. لكن الشباب الذين يُعتَمَد عليهم منخرطون في فصائل المقاومة، وليس من الحكمة أن يتعرّض أي منهم للخطر بالإقامة في المسجد!..
– (ليلى): لا بد أن نجدَ حَلاً مناسباً، فالمئذنة يجب أن تعودَ كما كانت، والأذان يجب ألا ينقطع أبداً، ودروسنا للأطفال، يجب أن تستمرَّ مهما اعترضتنا الصعوبات والعقبات!..
– (الله أكبر.. الله أكبر)!.. صوتٌ يصدح من الأعلى.. نظرت الفتيات تجاهه، وانطلقت أصواتهنّ معاً بغبطة:
– سبحان الله، الله أكبر، إنه صوت الفتى (مُطيع)، ابن الشهيد المؤذّن (عبد الله)، يؤذّن لصلاة العصر!..
في الوقت نفسه، انتبهت الفتيات لانبعاث صوت هديلٍ متداخلٍ مع صوت الأذان.. نظرنَ إلى الأعلى، فإذا الحمامتان البيضاوان ترفرفان حول شرفة المئذنة العالية، وتَهدلان!..
* * *

د. محمد بسام يوسف