الإخوان المسلمون في سورية

من رماد المحنة إلى فجر الوطن: الإخوان السوريون ومسيرة العطاء

محمد صادق شيخ ديب
فكرةٌ تتجاوز الاتهامات
ليس من الإنصاف أن يُختزل تاريخ الإخوان المسلمين في سورية في صفحات الصراع، أو أن يُختصر في حملات الاتهام والخصومة وحدها. ففي نظر محبيهم وأنصارهم، كانت الجماعة مدرسةً دعويةً وتربويةً واجتماعيةً، حملت همَّ الإنسان والمجتمع، وسعت إلى أن يكون الإسلام حاضراً في الأخلاق والعلم والعمل والتكافل وخدمة الناس.
لقد قامت فكرتهم، في جانبٍ مهم منها، على أن الدين لا ينفصل عن واقع الحياة، وأن الإيمان لا يكتمل أثره إلا حين يتحول إلى خلقٍ وعملٍ ومسؤوليةٍ وإحساسٍ بآلام الناس وآمالهم.
خدمة الناس أولاً
لم يكن حضور الإخوان المسلمين، في بداياته، بحثاً عن سلطةٍ أو سعياً إلى نفوذ، بل انطلق من المساجد والمدارس والبيوت، ومن الإيمان بأن نهضة المجتمع تبدأ ببناء الإنسان وتربيته.
فاهتموا بالشباب، وشجعوا على طلب العلم، وأسهموا في خدمة الفقراء ودعم الأسر، وربطوا بين الإيمان والمسؤولية الاجتماعية، مؤمنين بأن المسلم لا ينبغي أن يقف متفرجاً أمام مشكلات مجتمعه، أو يكتفي بالحزن عليها، بل عليه أن يسعى لأن يكون جزءاً من حلها.
ولهذا وجد كثيرون في الإخوان مشروعاً قريباً من الناس، لا يتحدث بلغةٍ بعيدة عن واقعهم، بل يحاول أن يكون حاضراً في البيوت والأسواق والمدارس والمساجد، حيث يعيش الناس همومهم اليومية وآمالهم وتطلعاتهم.
ورأى مؤيدوهم في دعوتهم دعوةً إلى الرحمة والإصلاح والبناء، وإلى مجتمعٍ يحفظ هويته، من غير أن يتخلى عن العلم والعمل والكرامة.
سنوات المحنة والتضحية
لم يكن هذا الطريق سهلاً؛ فقد عرف الإخوان السوريون سنواتٍ طويلة من الحظر والملاحقة والسجن والنفي والتشويه، ودفع كثيرٌ من أبنائهم وأسرهم ثمناً باهظاً من أمنهم وحرياتهم وأعمارهم.
وفي سياق القمع الذي شهدته سورية خلال تلك المرحلة، جاءت أحداثٌ دامية تركت جراحاً عميقة في الذاكرة الوطنية، ومنها مجزرة سجن تدمر عام 1980، ثم أحداث حماة عام 1982، التي كانت من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ السوري الحديث، إذ خلّفت أعداداً كبيرة من الضحايا ودماراً واسعاً، مع استمرار الاختلاف بين المصادر في تقدير حجم الخسائر البشرية.
ولم تكن التضحيات حكراً على القيادات وحدها؛ بل امتدت إلى طلابٍ ومدرسين وأطباء وموظفين وعمال، وإلى آباءٍ وأمهاتٍ وأطفال، عاش كثيرٌ منهم سنواتٍ طويلة تحت وطأة الخوف والحرمان والسجن والتهجير والبعد عن الوطن.
ومع ذلك، لم تنطفئ الفكرة في وجدان أنصارها، بل بقيت حاضرةً في الذاكرة والأسر، وفي إصرار كثيرين على أن سورية تستحق الحرية والعدالة والكرامة.
وقد علّمتهم المحنة، كما علّمت كثيراً من السوريين، أن العمل العام لا ينبغي أن يقوم على الخصومة وحدها، بل على الصبر، وحفظ حقوق الناس، والتمسك بالعدل، حتى في أشد لحظات الخلاف والاختلاف.
شركاء في بناء سورية
واليوم، في مرحلة بناء سورية الجديدة، يتطلع الإخوان المسلمون، كسائر القوى الوطنية، إلى دولةٍ قويةٍ ومستقرة، تحفظ السيادة، وتصون وحدة المجتمع، وتضع مصلحة السوريين فوق كل اعتبار.
ويرون في دعم مؤسسات الدولة والقيادة الوطنية واجباً وطنياً في مرحلة تحتاج إلى الحكمة، وتضميد الجراح، وترميم ما هدمته سنوات الصراع، وإعادة بناء الإنسان قبل العمران.
غير أن الإنصاف يقتضي أن يُنظر إلى الإخوان بوصفهم أبناءً لهذا الوطن، لا باعتبارهم اسماً محكوماً عليه مسبقاً، أو تاريخاً يُقرأ من زاويةٍ واحدة.
فمشاركتهم في ميادين الخدمة المدنية والتربوية والاجتماعية والسياسية، ضمن إطار القانون وتحت سقف الدولة ومؤسساتها، يمكن أن تكون طاقةً إضافيةً في خدمة الناس، لا عبئاً على الدولة ولا منافسةً لها.
كما أن تاريخهم في العمل الاجتماعي والتربوي والسياسي، ومشاركتهم في محطات سياسية معارضة مهمة، مثل إعلان دمشق عام 2005، والمجلس الوطني السوري، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، يستحق قراءةً متوازنة، بعيدةً عن التعميم والاختزال، وقائمةً على النظر إلى التاريخ بكل ما فيه من صوابٍ واجتهادٍ وتضحياتٍ وأخطاء.
الإنصاف أساس المستقبل
ليس مطلوباً من الجميع أن يتفقوا مع الإخوان المسلمين في كل اجتهادٍ أو موقف؛ فالناس يصيبون ويخطئون، والجماعات، كالأفراد، لها ما لها وعليها ما عليها.
لكن من حقهم أن تُذكر خدماتهم، وأن تُحترم تضحياتهم، وأن يُعاملوا بالعدالة والإنصاف اللذين يطلبونهما لوطنهم ولجميع أبنائه.
فمن خرج من رماد المحنة حاملاً في قلبه همَّ الناس، لا ينبغي أن يُقابَل بالإقصاء، بل أن تُتاح له الفرصة ليشارك في إضاءة طريق الوطن، وليكون جزءاً من بنائه لا متفرجاً على مستقبله.
فالأوطان لا تُبنى بإقصاء أبنائها، ولا بإبقاء جراح الماضي مفتوحةً إلى الأبد، بل بفتح المجال أمام كل مخلصٍ ليخدم شعبه، في إطار القانون، وتحت راية الدولة، وفي ظل وحدة الوطن وسيادته.

محرر الموقع