الإخوان المسلمون في سورية

رجالٌ لا يمكن أن يغادروا الذاكرة: الأديب الأستاذ حيدر غدير

د. تحسين العبدالله
هناك رجالٌ لا يُغادرون الذاكرة، مهما طال الزمن وتبدّلت الوجوه والأمكنة، لأنهم يتركون فينا أثرًا لا يُمحى، وبصمةً تظل تنبض بالحياة كلّما استُعيدت ذكراهم. ومن هؤلاء الرجال الذين خُلّدوا في القلب قبل الذاكرة، المربّي الفاضل، والشاعر والأديب الأستاذ حيدر غدير – رحمه الله – الذي عرفته في مرحلةٍ مبكرةٍ من حياتي، يوم كنتُ طالبًا في المرحلة الإعدادية، فكان أوائل من وجّه خطاي على درب الدعوة، وأيقظ فيّ حبّ الخير والعطاء.
عرفت فيه الصدق والإخلاص، والمروءة والشهامة، الشجاعة والوفاء، وحبّ الخير والتفاني في العمل، وحرصه الدائم على الوقت، وإخلاصه في الدعوة، وحرارته في خدمة إخوانه. كان بشوش الوجه، لا تفارق البسمة محيّاه، حاضر البديهة، سريع النكتة، تلمع عيناه ذكاءً، ويملأك مجلسه طاقةً ونشاطًا. كان كريمًا مضيافًا، لا يُمكن أن يتسلّل إليك الكسل أو الملل في حضرته.
كثيرًا ما كان يأخذنا في رحلاتٍ خارج المدينة تمتدّ لساعات، يختلط فيها الجدّ بالمرح، والعلم باللعب، ويغمرها جوّ من التربية والتوجيه الصادق. أذكر ذات يومٍ خرجنا معه إلى سفح الجبل المطلّ على مدينة دير الزور، فطلب منّا أن نمثّل مشهدًا لتجسيد تعذيب الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه، على يد أمية بن خلف. فوضع صخرةً كبيرة على صدر أحدنا، ممّن أدّى دور بلال، تحت حرّ الشمس، ثم خاطبه بصوتٍ جهوري مؤدّيًا دور أمية:
“لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى!”
فأجابه الأخ الملقى على الأرض، وهو يلهث من التعب والحرارة، مردّدًا بلالَ بن رباح في صبره وثباته:
“أحدٌ.. أحد.”
كانت لحظاتٍ مفعمةً بالإيمان والعبرة، رسّخت فينا معنى الثبات على الحق مهما اشتدّ البلاء. وبعد هذا الجهد، أقبل الأستاذ حيدر مبتسمًا يحمل بيده سندويشاتٍ اشتراها لنا من ماله الخاص، يكافؤنا بها على أدائنا، فكانت ألذّ ما تذوّقناه، لأنها ممزوجة بمحبة المربّي ودفء عطائه.
كان دائم الحضور في حياتنا، قريبًا من قلوبنا، يشاركنا اهتماماتنا الصغيرة قبل الكبيرة. يحضر حصص التدريب الرياضي، ويشجّعنا في مباريات كرة اليد التي كنت أشارك فيها مع نادي الفرات، إلى جانب الأخوة وحيد الآغا وأحمد الخلف ورمضان سعيد – رحمهم الله – وغيرهم ممّن ما زالت صورهم حاضرة في الذاكرة.
ثم شاء الله أن نرافقه في رحلة الحج ، برفقة الأخ أبي إبراهيم طارق زكريا – رحمه الله –، فكانت أيامًا لا تُنسى. وكان حيدر في تلك الرحلة كما عهدناه: هادئًا متواضعًا، طيب السمت، نقيّ الفكر، صافي القلب، سريع الخاطر، لطيف الحديث. لا تشعر بالوقت وأنت تجالسه، إذ كان حديثه يجمع بين العذوبة والعمق، وبين الدعابة والدرس.
وحين جمعتنا الرياض بعد سنواتٍ من البُعد، وجدته كما كان، لم تغيّره الأيام، بل زادته صفاءً ورقّةً ونورًا. استقبلني بوجهٍ باسمٍ وقلبٍ مفتوحٍ وكرم وحفاوة كما عهدته دومًا، وكأنّ الزمن لم يمرّ بيننا.
رحم الله المربّي الفاضل الأستاذ الدكتور حيدر غدير، فقد كان من الرجال الذين لا يرحلون عن الذاكرة، لأنهم تركوا فيها من ضوء أرواحهم ما يبقى ما بقي الوفاء. جزاه الله عنّا خير ما يُجزى المربّي والداعية، وجعل مقامه في عليّين، في الفردوس الأعلى مع الصادقين والأبرار..

محرر الموقع