الإخوان المسلمون في سورية

الدكتور حسن هويدي رحمه الله.. أُمّةٌ في رجل وأثرٌ لا يغيب

د. تحسين ناصر بريجع
يتهيّب القلم حين يحاول أن يكتب عن أبي محمد، الدكتور حسن هويدي رحمه الله؛ فثمة رجال تضيق عن سيرتهم الصفحات، وتعجز الكلمات عن الإحاطة بمناقبهم، لأن حياتهم لم تكن مجرد أعوام تمضي، بل كانت علماً وعملاً، ومواقف وآثاراً، وقلوباً ألّفوا بينها، ونفوساً تركوا فيها من جميل الذكر ما يبقى بعد الرحيل.
كان أبو محمد أُمّةً في رجل: طبيباً حاذقاً، وفقيهاً عالماً، وداعيةً بصيراً، وأديباً وخطيباً، ومفكراً حكيماً، وشاعراً مرهفاً. جمع بين سعة العلم وعمق الإيمان، وبين رصانة الفكر ودفء المشاعر، وبين قوة الشخصية ورقة القلب، وبين الثبات على المبدأ والرحمة بالناس.
غير أن العلم، على سعته، لم يكن وحده سر مكانته في القلوب؛ فقد عُرف بكرم النفس قبل كرم اليد، وبالحفاوة بمن يلقاه، والوفاء لمن صحبه، والإخلاص لمن أحب، والسعي الدؤوب إلى إصلاح ذات البين. كان يؤلمه أن يرى خلافاً بين إخوة، ويستنهض همته أن يرى شقاقاً يحتاج إلى رأب، فيبذل من وقته وجاهه وكلمته ما يستطيع ليجمع القلوب، ويقرّب وجهات النظر، ويعيد للمودة مكانها.
كان جبلاً راسخاً في العلم والفقه واللغة والطب، وشخصيةً استثنائية تركت في كل من عرفها أثراً يصعب أن تمحوه الأيام.

نشأته وعلمه

وُلد الدكتور حسن هويدي في دير الزور سنة 1925م، وحصل على الشهادة الثانوية العلمية، ثم انتسب إلى كلية الطب في جامعة دمشق، حيث نال شهادة الدكتوراه في الطب سنة 1952م، وتخصص بعد ذلك في الأمراض الباطنية.
وبالتوازي مع دراسته الطبية، أخذ العلوم الشرعية منذ وقت مبكر عن عدد من علماء بلده، وكان من أبرزهم العالم الجليل الشيخ حسين رمضان الخالدي رحمه الله، ثم واصل تحصيله الشرعي بجهد ذاتي متصل، حتى غدا واسع المعرفة بالفقه والتفسير والحديث والسيرة.
عاد إلى مدينته دير الزور وافتتح فيها عيادته الخاصة لممارسة تخصصه في الأمراض الباطنية. ولم تكن عيادته مكاناً للعلاج فحسب، بل كانت باباً مفتوحاً للفقراء والضعفاء وذوي الحاجة؛ يستقبلهم ويواسيهم، ويقدم لكثير منهم الاستشارة والعلاج من غير مقابل.
وكان وجهاً مقدّماً محبوباً في بلده، يلجأ إليه الناس لا في أوجاع الأبدان وحدها، بل في مشكلاتهم وخصوماتهم أيضاً. فإذا وقع خلاف، أو اتسعت فجوة بين متخاصمين، أو احتاجت النفوس إلى من يردّها إلى سواء السبيل، كان أبو محمد من الرجال الذين يُقصدون لرأب الصدع وإصلاح ذات البين.
لم يكن الإصلاح عنده موقفاً عابراً، بل خُلُقاً أصيلاً؛ لأنه كان يرى أن حفظ المودة بين الناس، ولا سيما بين الإخوة وأهل الدعوة، أمانة لا تقل شأناً عن كثير من أعمال البر.

من مسجد أبي عابد بدأت الحكاية

بدأت معرفتي بأبي محمد وأنا في مقتبل العمر، في المرحلة الإعدادية، من خلال مسجد أبي عابد في دير الزور؛ ذلك المسجد الذي كان يومئذ منارةً للعلم والدعوة، ومهوى أفئدة الناس.
كنت أستمع بشغف إلى خطبه العصماء يوم الجمعة، وكانت جموع المصلين تتوافد إليه حتى يفيض المسجد وتمتد الصفوف إلى الشوارع المحيطة به.
كان فارساً من فرسان الكلمة، وخطيباً ألمعياً، ومحدّثاً لبقاً، وداعيةً مقداماً، يصدع بما يراه حقاً، ولا يخشى في الله لومة لائم. وكان للدكتور حسن هويدي رحمه الله، قبل الخطبة، درسٌ ينتفع به الناس ويغترفون من معين علمه. أما صاحبه ورفيق دربه الذي لا يفارقه، الأستاذ أمين الشاكر رحمه الله، فكان يؤم المصلين في صلاة الظهر عقب صلاة الجمعة، على عادة المذهب الشافعي.
وفي شهر رمضان، كان للدكتور حسن رحمه الله درسٌ يومي بعد صلاة العصر، يقبل عليه الناس بكثرة، غير عابئين بمشقة الصيام، لينهلوا من فيض علمه وحكمته، ويزدادوا به روحانيةً وإيمانًا.
ولا تزال ذاكرتي تحتفظ بصورة ذلك العالم الداعية وهو يخاطب الناس بقلب حاضر، وعقل واعٍ، ولسان مبين، وروح مشبعة بالإيمان. لم تكن كلماته ألفاظاً تُلقى من فوق المنبر، بل كانت تحمل حرارة الإيمان وصدق القناعة، ولذلك كانت تجد طريقها إلى القلوب.

كرمٌ يسبق الضيف، وحفاوةٌ لا تُنسى

التقيته في بدايات معرفتي به في جلسات عابرة في منزله العامر بدير الزور، وكان بيته صورةً من صاحبه: رحباً بأهله وضيوفه، مفتوحاً للمحبين، تغشاه الحفاوة وتظلله الألفة.
ثم شاءت الأقدار أن ألتقيه من جديد في دمشق، بعد نجاحي في الثانوية العامة سنة 1968م، وكنت برفقة الأخ الراحل حيدر غدير. التقيناه في مطعم سحلول بالمرجة، وكان معه الأستاذ أمين الشاكر رحمه الله.
هناك رأيت عن قرب جانباً من شمائله ظل محفوراً في الذاكرة.
كان أبو محمد مثالاً للكرم والبشاشة وحسن الوفادة. أصرّ أن نشاركه الطعام، واستقبلنا كأننا أهل بيته، ثم أخذ يسألني عن أحوالي ومستقبلي وما أنوي فعله بعد تقديم أوراق القبول في الجامعة. لم يكن سؤال مجاملة عابرة، بل اهتماماً صادقاً تشعر معه أن الرجل يحمل همّ من أمامه، ويمنحه من مودته ما يمنح الأب لابنه والأخ لأخيه.
وهكذا كان كرمه؛ لم يكن مائدةً تُمد فحسب، وإنما كان بشاشةً في الوجه، وسعةً في المجلس، واهتماماً بالضيف، وإشعاراً له بأنه عزيز كريم. وكان من كرمه أن يعطي الإنسان من وقته وقلبه كما يعطيه مما في يده.
وما زالت صورة صغيرة من ذلك اللقاء عالقة في ذاكرتي: حرصه على تناول طعامه بيده اقتداءً بسنة رسول الله ﷺ؛ فقد كانت السنّة عنده سلوكاً يُعاش، لا مجرد علم يُروى.

عالم لم تزده المحن إلا ثباتاً

لم تُفرَش حياة أبي محمد بالراحة والطمأنينة، بل تخلّلتها مرارة الاعتقال المتكرر في ظل السلطات البعثية ونظام الأسد. اعتُقل أول مرة عام 1963 في سجن المطار، ثم عام 1964 في سجن الشيخ حسن، وثالثة في فرع السياسية قبيل نكسة 1967، حين كانت الكلمة الحرة والموقف المستقل موضع تضييق وملاحقة. وآخر اعتقال كان في سجن المزة في 1973 بعد اعتراضه مع ثلة من إخوانه على التغيير الدستوري في عهد حافظ الأسد.
وفي المحنة كما في الرخاء، ظل أبو محمد صابراً محتسباً، ثابتَ الجنان، شامخ الرأس؛ لم تبدل السجون قناعاته، ولم تنل المحن من عزيمته.
كان يعرف أن للمواقف أثماناً، فإذا اقتنع بحق لم يكن من طبعه أن يبيعه طلباً للسلامة، أو أن يصمت عنه طمعاً في دنيا.

في المهجر. . الأخ الكبير وجامع القلوب

ومرت السنون، ثم التقينا من جديد في رحاب الهجرة، في جدة والرياض. وهناك أتيحت لي فرصة أوسع لأتعرف إليه عن قرب، فرأيت فيه جانباً لعله من أجمل جوانب شخصيته: الأخ الكبير الذي يحمل همّ إخوانه، ويسعى إلى جمع كلمتهم، ويؤلمه افتراقهم أكثر مما يؤلمه أن يخالفوه.
كان شديد الوفاء لإخوانه وأصحابه، يحفظ الود القديم، ولا تهون عليه عشرة السنين. وإذا فرّقت الأيام بين الناس، بقي هو موصول القلب بهم، يسأل عن غائبهم، ويواسي مصابهم، ويفرح لخير يصيبهم.
وكان من أكثر ما عرفته فيه حرصه على إصلاح ذات البين. لم يكن ممن يزيد الخلاف اشتعالاً، ولا ممن يجد في الخصومات مجالاً للانتصار للنفس؛ بل كان يسعى إلى تضييق مساحة النزاع، وإبراز ما يجمع قبل ما يفرق، وجسر الهوة بين الإخوة إذا باعدت بينهم المواقف والاجتهادات.
كم من خلاف سعى إلى تطويقه، وكم من قلب حاول أن يردّه إلى أخيه، وكم من فجوة عمل على ردمها بالكلمة الطيبة والحجة الهادئة والتذكير بحق الأخوة.
وكان واسع الصدر للرأي المخالف؛ يصغي بأدب جم، ويتأمل فيما يقال، ثم يرد بعلم وحجة، وحزم لا يخلو من احترام، وثقة لا تعرف التعالي.
ولم يكن حرصه على الوحدة يعني عنده تمييع الحق أو المداهنة فيه. فإذا ترجح لديه أن الحق في جانب خالفه فيه الأكثرون، ثبت عليه ودافع عنه بالحجة والبرهان؛ لكنه كان يفرّق بين الاختلاف في الرأي وبين فساد القلوب، وبين مناقشة الفكرة وهجر صاحبها، وتلك خصلة قلّ أن يحسنها إلا الكبار؛ كان يريد وحدةً تحفظ الحق، وخلافاً يحفظ الأخوة. .

الطبيب الفقيه.. والعالم العامل

كان أبو محمد فقيهاً حنفياً متمكناً، واسع الاطلاع، حافظاً لكتاب الله، ملمّاً بتفسيره، عالماً بسيرة رسول الله ﷺ، محباً لسنته، حريصاً على الاقتداء بهديه، ومحدّثاً ومحاوراً من الطراز الرفيع.
واجتمع في شخصه ما قلّ أن يجتمع في رجل واحد: علم الطب ودقة الطبيب، وفقه العالم، وبصيرة الداعية، وحكمة المفكر، وحماسة الخطيب، وبلاغة الكاتب، ورهافة الشاعر.
ومن آثاره ومؤلفاته: الوجود الحق، ومن نفحات الهدى، ومحاذير الاختلاط، والشورى في الإسلام، ومفهومات في ضوء العلم، إضافة إلى ديوان شعري مخطوط.
لكن أجمل ما في علم أبي محمد أنه لم يكن علماً منفصلاً عن العمل.
لم يتخذ العلم سلعة، ولا سلّماً إلى جاه أو منصب، ولم تكن الدنيا بأموالها وألقابها ومواقعها ذات وزن كبير في ميزانه. كان همه أن يعمل بما علم، وأن يبتغي فيما يقول ويفعل مرضاة الله.
كنت تشعر وأنت تجالسه أنك أمام رجل يستحضر نماذج السلف في حياته؛ في صفاء الروح، وصدق التوجه، والزهد في زخارف الدنيا، والحرص على ما عند الله.

الوفاء خُلُقاً ومنهجاً

ولعل الوفاء من أكثر الصفات التي تستحق الوقوف عندها في شخصية أبي محمد.
كان وفياً لدينه ومبادئه، وفياً لإخوانه وأصحابه، وفياً لبلده وأهله، وفياً للود القديم وللعشرة، لا تقطعها المسافات ولا تبدّلها السنون.
والوفاء عنده لم يكن كلمات تقال في المجالس، بل مواقف تظهر عند الحاجة. فالوفي حقاً هو من يحفظك في غيابك، ويذكرك حين ينساك الناس، ويقف إلى جانبك حين تقل الوجوه من حولك.
وكان أبو محمد من هذا الطراز.
ولعل إخلاصه هو الذي جعل إصلاح ذات البين يحتل تلك المنزلة في نفسه؛ فالمخلص لا يعنيه أن ينتصر لنفسه بقدر ما يعنيه أن ينتصر الحق، ولا يسعده أن يغلب أخاه في جدال بقدر ما يسعده أن تبقى الأخوة بعد انقضاء الجدال.
لذلك كان يسعى إلى لمّ الشمل، ويكره أن تتحول اختلافات الرأي إلى قطيعة، أو أن تصبح الاجتهادات جسوراً للهجر والتدابر.
وكان يعلم أن بناء الجماعات والمجتمعات يحتاج إلى رجال يجمعون أكثر مما يفرقون، ويطفئون نار الخصومة بدلاً من أن ينفخوا فيها، ويحملون همّ المصالحة ولو كلفهم ذلك من وقتهم وراحتهم الكثير.
وكان أبو محمد واحداً من أولئك الرجال.

وصية تكشف معدن الرجل

ومن أجلّ ما تركه أبو محمد وصيته التي كتبها في شعبان سنة 1426هـ؛ فهي تكشف عن قلب حاضر مع الله، مستعد للقاء، مستشعر لقصر الدنيا وحقيقة الرحيل.
استفتحها بالشهادة والتوحيد والإيمان بالساعة والبعث، وأوصى أهله بتقوى الله وإصلاح ذات البين والوفاء بالعهد، مستحضراً وصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام:
﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
ولعل في اختياره إصلاح ذات البين والوفاء بالعهد ضمن وصيته لأهله دلالة بالغة على مكانة هذين الخلقين في نفسه؛ فقد أوصى في آخر أيامه بما عاش يدعو إليه في حياته.
ثم أوصى عند احتضاره أن يحضره أهل الصلاح، وأن يُذكّر بحسن الظن بالله وكلمة التوحيد، وأوصى بأحكام غسله وتكفينه ودفنه، ونهى عن مظاهر النياحة والجزع، وطلب أداء الحقوق وضبط ما له وما عليه من أموال، وأن يتولى أمره أهل الصلاح، وأن يعجّل بدفنه، وأن يدفن حيث يدركه الموت، وكان يرجو أن يكون ذلك في المدينة المنورة، في جوار مسجد الحبيب المصطفى ﷺ.
وأوصى أبناءه بالبر، وصلة الأرحام، والتعاون على الخير، والإحسان إلى أمهم وأصهارهم، والدعاء له وقراءة القرآن.
لم تكن تلك الوصية مجرد تعليمات لما بعد الموت؛ بل كانت الصفحة الأخيرة من منهج حياة: تقوى، ووفاء، وصلة رحم، وإصلاح بين الناس، واستعداد للقاء الله.

في الحج. . بساطة العالم وعفة النفس

ومن الصور التي تكشف معدنه ما كان عليه في الحج من بساطة وعفة عن أموال الناس، كان يصعد إلى عرفات في سيارة بسيطة، وينصب خيمة صغيرة يقسمها بساتر، ثم يقضي وقته في الدعاء والذكر حتى قبيل الغروب، رافضاً أن يحمل أحداً مؤونة مركب أو مأوى أو نفقة، كان يستطيع أن يقبل من الناس الكثير، لكنه آثر أن يكون خفيفاً عليهم، عفيفاً عما في أيديهم.
وهذه هي عظمة الرجال حين تصغر الدنيا في أعينهم: يملكون العلم فلا يستعبدهم، وتعلو مكانتهم فلا يتكبرون بها، ويعرفون قدر أنفسهم فلا يجعلونها أكبر من رسالتهم.

رحل غريباً. . وبقي حاضراً

رحل أبو محمد في الغربة، بعد أن اختار الهجرة على أن يعيش خانعاً لما لا يرضاه، حتى أدركه الموت في مهاجره، ونرجو أن يكون ممن شملهم وعد الله تعالى.
﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وظل حتى آخر حياته يحمل هموم المسلمين حيثما حل؛ يتفاعل مع قضاياهم وآلامهم، وتبدو هموم الأمة على وجهه قبل أن ينطق بها لسانه.
رحل أبو محمد بهدوء، مقبلاً على ربه، لكن رحيله لم يكن هادئاً في قلوب محبيه.
حزنت عليه دير الزور، وحزن عليه من عرفه في بلاد الشام ومهاجره، وفجع برحيله القريب والبعيد. لكن الرجال أصحاب الرسالات لا يغيبون كلهم حين يرحلون؛ يبقى منهم ما زرعوه في القلوب، وما تركوه في العقول، وما أقاموه من جسور بين الناس.
وبقيت سيرته حيةً في نفوس من عرفوه، شاهدة على رجل عاش للقيم التي آمن بها، وثبت عليها حتى لقي الله.

أبا محمد.. ما أقل ما تستطيع الكلمات

رحم الله أبا محمد
كان من أولئك الرجال الذين إذا حضروا أكرموا، وإذا استضافوا أحسنوا الوفادة، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا أحبوا أخلصوا، وإذا تكلموا علّموا، وإذا اختلفوا أنصفوا، وإذا تخاصم الإخوة أصلحوا، وإذا تباعدت القلوب سعوا إلى جمعها، وإذا اتسعت هوة الخلاف مدّوا فوقها جسور المودة، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا قدروا عفوا، وإذا أقبلت الدنيا أعرضوا عنها، وإذا دنا الرحيل استعدوا للقاء الله.
وهذه، في تقديري، من أعظم شمائله: أنه لم يكن عالماً يحدث الناس عن الأخوة فحسب، بل كان أخاً وفياً؛ ولم يكن داعية يتحدث عن الإصلاح فحسب، بل كان مصلحاً؛ ولم يكن يحدث عن الكرم فحسب، بل كان بيته وقلبه ومائدته مفتوحة للناس.
إن الحديث عن الدكتور حسن هويدي ذو شجون، والكلمات مهما بلغت لا تستوعب علمه وحكمته وورعه، ولا حرارة حبه لله ورسوله ﷺ، ولا أثره في الدعوة والطب والفكر وتربية الأجيال.
ولعل من الوفاء لهذا الرجل أن ينهض من يغوص في تراثه، فيجمع علمه ومقالاته وخطبه ومواقفه وشعره ووصيته وشهادات من عاصروه؛ ليبقى هذا الإرث محفوظاً للأجيال، وشاهداً على عالم وداعية وطبيب وأديب ومصلح، عاش عزيزاً، ومات مهاجراً، وترك خلفه سيرة تستحق أن تُروى.
توفي أبو محمد، الدكتور حسن هويدي، في فجر يوم الجمعة، السابع عشر من ربيع الأول سنة 1430هـ، الموافق 13 آذار/مارس 2009م.
رحم الله أبا محمد رحمة واسعة، وجزاه عن دينه ودعوته وأمته وإخوانه خير الجزاء.
اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وجازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً. اللهم تقبله في عبادك الصالحين، واحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
رحم الله أبا محمد؛ عاش كبيراً دون كِبْر، كريماً دون مَنّ، عالماً دون تعالٍ، ثابتاً دون قسوة، مختلفاً دون خصومة، ووفياً لا تغيّره الأيام. جمع القلوب ما استطاع، ورأب الصدع ما وجد إليه سبيلاً، وحفظ للأخوة حقها حتى في ساعات الخلاف.
مضى الرجل، وبقي الأثر؛ وبقيت في ذاكرة الأوفياء سيرة رجل لم يعش لنفسه، بل عاش لدينه وأمته وإخوانه، وكان حيثما حلّ جسراً للمودة، ويداً للإصلاح، وقلباً يتسع للجميع.

محرر الموقع