والحكاية في القرآن الكريم عن سيدنا يونس عليه السلام.

 

وكان أخ كريم قد رأى ما أكتبه تحت عنوان “وجيز التفسير بعيداً عن التفسير ، واحترمت رأيه، وما زلت أكتب تحت عنوان وجيز التفسير ، ولكن ما سأكتبه هو حقاً بعيد عن التفسير ..

 

سيدنا يونس الذي ذهب ((مُغَاضِبًا)) غضب احتجاج وبرم ونزق، مهم أن نعرف من الذي كان شريك سيدنا يونس في الغضب.. لأن غاضب مثل قاتل تقتضي الشراكة. أراجعها وأحقق فيها منذ زمن طويل، وأرى المفسرين حولها يدورون..

 

ولكن لنتذكر أن هذه الاحتجاج المبكر من الداعية الموصوف بالمغاضبة قد منح المدعوين فيما بعد حق الاستثناء فكانوا الوحيدين بين الأمم الذين رفع عنهم العذاب بعد أن كاد..

وأعود إلى ((فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ))

 

والحكاية إن سيدنا يونس بعد أن (أَبَقَ) وأبق هنا لفظة قرآنية لها دلالتها في تفسير مغاضبا؛ بعد أن أبق إلى الفلك المشحون. والفلك المشحون هو المركب المكتظ بالناس. ولعله كمراكب المهاجرين من المستضعفين يشقون العباب..

 

وضربت الريح الفلك فهاج البحر وماج. ورأي القبطان أنه لا بد من تخفيف الحمولة، والتضحية بالواحد لينجو الباقون..

 

ولجأ هذا القبطان إلى الخيار الديموقراطي بضرب القرعة وهو معنى- فساهم- ليقع سهم الدحض على سيدنا يونس. بعض المفسرين يقولون إن القرعة ضربت ثلاث مرات فكان يونس هو المقصود.. وتقول بعض الروايات أن كان هدف القرعة نبذ الشقي الذي تكاد شقاوته تودي بالآخرين. أي أنّ الأمر لم يكن تخفيف وزن مادي، بل التخفف من إثم اعتقدوا أن صاحبه سيغرقهم أجمعين.

 

أنظر إلى صورة ربان المركب ذاك، ثم أعرضه على صور ترامب وبوتين وكل أدعياء شرائع الديموقراطية وحقوق الإنسان..!!

 

لم يكن الربان مؤمناً صالحاً، ولكنه كان إنساناً عامل حمولته من البشر على قاعدة السواء.. وأنا أعجب ممّا لا يناله المستضعفون في القرن الحادي والعشرين.. أنت الإرهابي وكفى، وكلام بوتين هو الحق ما في ذلك خفاء.

 

أعجب ما في قصة سيدنا يونس هذه اللمحة الإنسانية التي يشير إليها القرآن الكريم في حق راكب شريد طريد آبق مهاجر يعطى حق السواء فيساهم ويكون له سهمه كالآخرين.. ذلك في عصر قبل أن يتسيد فيه مجلس الأمن، والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان!!

 

وأجمل ما في قصة سيدنا يونس، ليس نجاته من الغرق، وليس مكثه في بطن الحوت ثم نجاته منه، وليس التظليل عليه بشجرة اليقطين، وليس رفع العذاب عن قومه وقد حاق بهم..

 

أجمل ما في الحكاية.. وأعذب ما فيها.. وأكثرها استدراراً للدموع أن تلهمك أن تنادي وأنت في موقع أكثر ظلمة من ظلمات بطن البحر وبطن الحوت: ((لا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) تنفثها من أعمق الأعماق ومن أعمق من كل ما كان.

 

لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين..