الانقلاب العسكريّ الذي ارتكبه البعثيون في الثامن من آذار عام 1963م.. أنتج حُكماً ديكتاتورياً بوليسياً أنهى المرحلة الديمقراطية للبلاد، وأسّس لحقبةٍ سوريةٍ بالغة السوء والسواد في التاريخ السوريّ، ما يزال وطننا وشعبنا يتجرّعانه حتى الآن، علقماً واضطهاداً واستبداداً وتفنّناً في اقتراف مختلف أنواع الجرائم التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية. إذ فرض الانقلابيون أنفسهم على الوطن والشعب، بعد أن سيطروا على مقاليد الجيش والآلة العسكرية، ثم استخدموهما وسيلةً للقفز إلى السلطة والإمعان في تقتيل أبناء سورية واستعبادهم واستباحة حُرُماتهم، بدل أن يكونا وسيلةً للدفاع عن الوطن وتحرير الأرض المغتَصَبة. فقد أزاح المجرمون الجدد عن الخريطة الوطنية كلَّ القوى السياسية التي يمكن أن تنافسَهم، ووَأَدوا كل ما كان من حياة الحرية والتعدّدية، ثم أدخلوا البلاد -باسم العلمانية- في نفقٍ طائفيٍّ مظلم، ما تزال سورية تعاني من شدّة وطأته حتى ساعة كتابة هذه السطور!..

في يوم الثامن من آذار عام 1963م، بدأت في سورية أمّ الكوارث الوطنية، حين استأثر حزب البعث بالسلطة، واتبع أساليب القمع والإرهاب ضد خصومه السياسيين، وقام بخطواتٍ استئصاليةٍ ضد الحركات الإسلامية والقوى الوطنية بشكلٍ عام، وذلك تنفيذاً لمقرراتٍ حزبيةٍ بعثيةٍ اتُّخِذَت منذ تسلّط الحكّام الجدد على مقدّرات الوطن والدولة والشعب السوريّ، إذ صُنّفت الحركات الإسلامية – بموجبها- ضمن القوى الرجعية المضادة للثورة، ففُتِحَت السجون والمعتقلات لأبناء الشعب السوريّ.. وقد كانت حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي فرضها الحكّام الانقلابيون على البلاد، وأساليب القمع ومحاولات استئصال الآخر التي اتبعها النظام القادم على ظهور الدبابات المسروقة.. كانت الخطيئة الأكبر، التي أسّست للصراع بين الشعب السوريّ والعصابات المتسلّطة، التي قادت البلاد إلى هاويةٍ سحيقة.

*     *     *

لقد كان انقلاب الثامن من آذار عام 1963م كارثةً حقيقيةً ما تزال سورية تعاني منها حتى الآن، إذ دخلت البلاد في نفق حكم الحزب الواحد المنفرد المتسلط القمعيّ، فقُمِعَ الإنسان السوريّ على نحوٍ لم يسبق له مثيل في تاريخه، وأُدخِلَت سورية في مرحلة تدمير البنية التحتية الأساسية للمجتمع، عبر صراعاتٍ اتخذت فيما بعد الصبغة الطائفية الواضحة، حين فتح حزب البعث الباب على مصراعيه أمام الحالة الطائفية التي تعيشها البلاد حتى اليوم، ليمسك بمفاصل القوّة والسلطة في البلاد، وبدأت تظهر الحالة العدائية الحزبية لهوية الأمة، عبر تحدي قِيَمِها وعقيدتها، وعبر إكراه الناس على عقائد وسلوكياتٍ مُعاديةٍ فجّة، وعبر منهجٍ تدميريٍّ ثابتٍ أصيلٍ تمتّعت به كل الحكومات المتعاقبة.. التي سارت على المنهج الفاجر، الذي يقول:

آمنتُ بالبعثِ رباً لا شريكَ لهُ   وبـــــالعروبـــةِ دِينـــــاً مـــــا لَــــهُ ثـانـــــــي

فكان وثوب حزب البعث (ومن خلاله العصابة الأسدية) إلى السلطة، نقطةَ انعطافٍ خطيرةٍ في تاريخ سورية. إذ تجذّر في سورية حكمٌ فرديّ، عطّل الحياة السياسية، ولاحق الأحرار وأصحاب الرأي المخالف وطاردهم، وأعلن قوائم طويلةً للإقصاء المدنيّ، كان ضحاياه مئات رجال الفكر والدين والسياسة.. وتَشبّثَ بالشعارات والأدبيّات الاستبدادية، وتبنّى عقيدة (العنف الثوريّ) لتصفية خصومه المخالفين له في الرأي، ولم ينجُ من عواقب هذا السلوك حتى رجال البعث أنفسهم، عبر التصفيات المصلحية التي جرت فيما بينهم، والانقلابات العسكرية التي وقعت من قِبَل بعضهم على بعضهم الآخر!..

*     *     *

أمام شدّة الهجمة القمعية، وتحت وطأة الاستبداد الدمويّ، التي بدأت بفرض قانون الطوارئ الصادر بالأمر العسكري رقم (2) وتاريخ (8/3/1963م)، أمام ذلك كله.. واجه المجتمع السوريّ البطشَ والتنكيلَ وعمليات التضليل الأيديولوجيّ والفكريّ!.. وعلى الرغم من أنّ الحركة الإسلامية كانت أول مستهدَفٍ بالاستئصال.. فقد وَعَتْ أنها دخلت مرحلةً صعبةً قاسيةً من التحدي الفكريّ والعقديّ والنفسيّ، فقرّرت خوض الصراع الشامل المفروض منذ ذلك الوقت: فكرياً ودعوياً وعقدياً وتربوياً ووقوفاً بوجه قمع النظام وإرهابه الوحشيّ، دفاعاً عن النفس، وذلك من منطلق أنّ الدعوة فرض عينٍ على كل مسلم، وأنّ الدفاع عن هويّة المجتمع السوريّ وحرّيته واستقلاله.. واجب شرعيّ لا يمكن التخلي عنه.. وكم نتمنى أن تصحِّحَ الحركة الإسلامية مسيرتها داخل صفها وخارجه، وتستأنف السعي إلى قلب صفحة (أمّ الكوارث) الوطنية المولودة في الثامن من آذار عام 1963م، التي ما يزال يكرّسها نظامُ القمع والاستئصال والجريمة، إذ تبيّن أنّ هذا النظام الإجراميّ الأسديّ، ليس إلا نظاماً احتلالياً شديد البشاعة، قائماً على عصاباتٍ شديدة الفجور، لا تملك ذرّة انتماءٍ إلى سورية الأبية.

*     *     *

تحلّ الذكرى السوداء، وسورية تشقّ طريقها إلى الحرية، بجداول من دم، وتلالٍ من أرواح مجاهديها، وخرابٍ عامٍ تخلّفه عصابات الطغيان في كل مكان. تمضي الشام في الطريق الدامي للحرية، فتكسر قيدها، وتحطِّم أصفادها على رؤوس وحوش الاحتلال الأسديّ، فتدكّ حصونه في عاصمة الأمويين، إيذاناً باقتراب الملحمة الفاصلة، ودنوّ أجل أشد العصابات الحاكمة إجراماً في التاريخ الحديث، وانكسار إرادات كل العصابات الطائفية المستورَدَة من مستودعات إيران الصفوية وزرائبها، وكلاب حراستها المسعورين في العراق ولبنان واليمن ومرتزقة بعض البلدان الأخرى، من توابع ما يُسمى بـ(الوليّ الفقيه) وأذنابه.. إيذاناً بانحسار الشرّ عن الشام، وما حول الشام، من بلاد العرب والمسلمين.. واندحار عدوٍّ مجرمٍ محتلٍّ قادمٍ من روسية الإجرامية (عبر التاريخ)، وريثة حثالات الشيوعية المنقرضة، والصليبية الأرثوذكسية الحاقدة المتوحّشة.

ندعو المولى سبحانه وتعالى، أن تكون ذكرى أم الكوارث اليوم، بإذن الله عزّ وجلّ، آخر الذكريات السود في تاريخ الوطن السوريّ، وأن تعود سورية ساحةً وطنيةً حقيقيةً لكل أبنائها وبناتها، وليس لفئةٍ متسلّطةٍ طاغيةٍ مجرمة، أو عصابةٍ وحشيةٍ فاشيةٍ همجية.