الإخوان المسلمون في سورية

أنقرة أمام أخطر امتحاناتها السورية

باسل الحاج جاسم

 

كثير من الغموض يخيّم على مصير مناطق كثيرة في الشمال السوري الممتد على أربع محافظات، إدلب وحلب وحماة واللاذقية، لا سيما بعد سيناريو درعا وتخلي واشنطن العلني عن دعم المعارضة في الجنوب السوري، بعد أن كانت طرفاً ضامناً في اتفاق التهدئة هناك، إلا أن مستقبل إدلب بات يتصدر معظم التصريحات السياسية والإعلامية، بالإضافة إلى تحذيراتٍ من مختلف الأطراف بشأن الكارثة الإنسانية التي تتربص بالمدينة، في حال شن أي هجوم عسكري عليها.

 

يعيش في إدلب اليوم قرابة أربعة ملايين نسمة، ونصفهم ممن هجروا إليها من مدن ومحافظات سورية أخرى، الأمر الذي يجعل أي عملية عسكرية على المدينة كارثية من الناحية الإنسانية، كما أنها ستضع علاقات وتفاهمات أنقرة – موسكو على المحكّ، وتدفع محادثات أستانة الخماسية نحو المجهول.

 

ولعل أبرز تعقيدات شن عملية عسكرية واسعة على إدلب تكمن في المساحة الشاسعة للمحافظة، وامتلاك المعارضة هناك مقاتلين كثيرين، وكميات ضخمة من السلاح الثقيل، وتعزّزت قوتها أكثر، بعد نزوح آلاف المقاتلين إليها من مناطق كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً، وهو الشيء الذي يجعل أي هجوم عسكري عليها باهظ الثمن للطرف المهاجم.

 

لا يمكن تجاهل حقيقة أن أكثر من سيناريو ينتظر إدلب والمعارضة التي حشرت فيها، من بينها السيناريو العسكري، وقد يساهم تعقيد حالة إدلب، في دفع الأطراف الأخرى إلى تجزئة الملف وقضم المناطق المحيطة بشكل تدريجي، بعضها عسكري، وبعضها الآخر عبر تسوياتٍ، وربما تبادل في المناطق. وبكلام آخر، سيكون هناك سيناريو مزيج للمحافظة (غير مستبعد أن يتضمن أيضاً صفقات) بين القوى صاحبة النفوذ الحقيقي، في إطار نظرة أوسع للمرحلة التالية من الصراع في سورية وعليها، وذلك كله في حال لم تتمكن تركيا، في فترة زمنية باتت قصيرة، من التعامل، بشكل ناعم وسريع، مع المنظمات الموجودة هناك، والمصنفة على قوائم الإرهاب.

 

الواضح أن أنقرة استشعرت الخطر الذي يحيق بإدلب، وبعض مناطق الشمال، واتصال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبل أيام، بنظيره الروسي، فلاديمير بوتين، وإشارته إلى أن تقدُّم قوات النظام السوري نحو الشمال، بشكل مماثل لما حصل في الجنوب، يعني تدمير جوهر اتفاق أستانة، لم يكن سوى خطوة استباقية، في ظل التركيز الإعلامي الكبير على مصير الشمال السوري، وفي ضوء التقارير التي تعلن محافظة إدلب وجهة عسكرية مقبلة .

 

لا يرضي الوضع في إدلب اليوم وانتشار المنظمات المصنفة على قوائم الإرهاب تركيا، لكن ما تخشاه هو وقوع كارثة إنسانية هناك، بذريعة وجود تلك المنظمات، خصوصاً بعد حشر كل أصناف المعارضة فيها، بالإضافة إلى كل الرافضين أي تسوياتٍ وتهجيرهم إلى إدلب من باقي المناطق والمدن السورية. وبالتأكيد العواصم الأوروبية الفاعلة أقرب إلى تسوية بإشراف تركي، حتى لا تشهد المنطقة موجة نزوحٍ جديدة، على غرار ما حصل في العام 2015، إلا أن هناك صعوبة كبيرة أمام المهمة التركية، وخصوصاً في ما يتعلق بمصير عناصر هيئة تحرير الشام الأجانب.

 

ولا يخفى أن المعارضة السورية لم تعد تتحكم باتجاه الأوضاع داخل سورية، منذ ظهور التنظيمات الإرهابية، المتطرّفة منها والانفصالية، وسيطرتها على مناطق واسعة في الجغرافيا السورية، وهو ما جعل الأولويات تتغيّر لدى القوى العظمى والإقليمية في تعاملها مع الحالة السورية.

 

ويكتنف الغموض مصير إدلب تحديداً، لا سيما بعد جمع مجموعات وفصائل عسكرية كثيرة، مختلفة المشارب والتوجهات فيها، بالإضافة إلى وجود المنظمات المصنّفة على قوائم الإرهاب. وسبب الغموض عدة أمور، أبرزها أن تلك الفصائل التي فشلت بالتعامل في إدارة مناطقها، وفهم توجهات القوى الدولية والإقليمية الفاعلة على الأرض السورية، وتمسّكت بتفرقها، فحالها بالتأكيد لن يكون أفضل في إدلب، وستقبل هناك بالشروط التي كانت مرفوضة بالنسبة لها في مناطقها، والهدوء النسبي الذي تعيشه المدينة اليوم مرحلي.

 

لم يعد سرّاً أن إعلان إدلب منطقة وقف إطلاق نار شامل مرتبط بإعلانها خالية من أي وجودٍ لقوى مصنّفة إرهابية، فكل طرف دولي سيجعل من المنظمات المصنفة إرهابية في إدلب هدفاً له، ويؤكد المشهد اليوم على أرض إدلب أن الوقت مبكر على إعلانها منطقة آمنة، لا سيما أن تركيا لم تظهر أي توجهات سياسية أو عسكرية جديدة للتعامل مع الوضع في إدلب، حيث فوضى السلاح.

 

ويعزّز الاعتقاد بأن إدلب باتت في مرمى النيران ما تم تنفيذه سابقاً بدعم روسيا من شن عمليات عسكرية انتهت بالسيطرة على حلب، مروراً بالغوطة الشرقية، وصولاً إلى الجنوب السوري، بعد أن عقدت تفاهمات مع الولايات المتحدة والأردن و”إسرائيل” انتهت بوصول قوات النظام إلى الحدود الجنوبية لسورية، للمرة الأولى منذ ستة أعوام.

 

يبقى القول إنه لا يمكن تجاهل السلاسة والسرعة التي تم فيها تنفيذ أو استكمال تنفيذ اتفاق سابق لإفراغ بلدتي كفريا الفوعة، وتوقيت هذه العملية الذي يتزامن مع رسم مرحلة جديدة من عمر الصراع في سورية وعليها، وملامحها الواضحة “ظاهرياً” بانتصار فريق روسيا وإيران والنظام، ما يجعل غضّ الطرف الروسي عن استكمال عملية الإخلاء يثير تساؤلاتٍ كثيرة بشأن ما ينتظر الشمال السوري خصوصاً، وخريطة سورية بشكل عام، ويجعل كل الخيارات المتناقضة مطروحة في الوقت نفسه، من سيناريو عسكري شامل إلى صفقة كاملة المعالم.

 

العربي الجديد

إخوان سورية