قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم طلاقة الوجه وحسن الخلق. وفي رواية إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.

 

وفي وضوح الحديث، وعظيم دلالاته، وشدة التصاقه بواقع حالنا في شامنا المبتلى اليوم ما يغني عن أي تعليق. ونسوق هذا الحديث لإقامة الحجة على كل من يظل يعتذر أنه لا يملك ما يسع به أمر الناس.

 

يعيش أبناء شعبنا الصابر المصابر كما عاش الأولون من أهل البلاء، من أتباع الرسل الذين مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟!

 

فالمحنة التي تنزل بأبناء سورية اليوم متعددة الرؤوس، مختلفة الألوان، محنة في الأنفس، وأخرى في الأهل، وثالثة في الديار، ورابعة في المال، وخامسة من الخوف، وسادسة من الجوع وسابعة من البرد والظلمة والريح وثامنة بل تاسعة وعاشرة فتنة الناس بعضهم ببعض ((وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ؟!)) وربما هي أشد الفتن وأقساها على النفوس بما تخلفه من إحباطات وانكسارات وتشظٍ وتفرق كلمة وذهاب ريح..

 

وإذا كان الأول قد قال: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر، فإن الناس في مثل ظلماء الفتنة والمحنة وشتات الأمر وتفرق الكلمة باتت تفتقد الشمعة، وعود الثقاب، تنشد منها النور والدفء معا، كما بائعة الثقاب الصغيرة التي طالما تدفأنا على حكايتها ونحن صغار..

 

فاللهَ ثم… اللهَ.. ثم اللهَ، ومعنى قولنا اللهَ.. ثم اللهَ.. ثم.. اللهَ أي أننا ننشد الله ثلاثا أي نناشد به، ونقسم به على كل جماعة أو فئة أو رجل يملك كلمة من المثبتات في الدعوة إلى الخير، والبر، والتعاون، أو في التصدي للظلماء والطخياء والعمياء إلا ما بادر إليها، وجهر بها، وقام بقدر وسعه بحقها..

 

وأكثر ما قرأنا إيلاما عن حال المسلمين عشية فقدهم رسول الله قول أحد الصحابة رضي الله عنه: وأمسى المسلمون بعد فقد نبيهم كالغنم الشاتية في الليلة المطيرة غاب عنها راعيها !!! وهو أبسط ما يقال عن حال السوريين من المستضعفين الهائمين على وجوههم من رجال ونساء وولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا..!!

 

ففي هذه الطخياء العمياء يحتاج المجاهد القابض على جمر حقه بالحق إلى كلمات التثبيت لا التخذيل، إلى كلمات من نور الحق والصدق، تشد أزره، وتربط على قلبه، وتثبت قدميه: أن الله معكم ولن يتركم أعمالكم، وأن النصر صبر ساعة. وأن لكل أجل كتاب. وأنه ما كان الله ليضيع إيمانكم، صلاتكم وجهادكم، وان لله في أقداره سنن ماضية. وأن جولة الباطل ساعة وأن دولة الحق إلى قيام الساعة.. كلمات لا بد منها كلمة يلقيها من أولي الأحلام والنهى كلُ موقّع عن الله، وراث لمحمد رسول الله..

 

في هذه الطخياء العمياء يحتاج الخائف إلى التطمين، بأننا لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ما كتب لنا وليس علينا، لنا حتى الشوكة نشاكها، والأصبع تدمى، فنغني لها:

 

وهل أنت إلا أصبع دميت… في سبيل الله ما لقيت.

 

وأن لنا ولشهدائنا ولجرحانا عند الله مآبا، وموعدا لن نخلفه. وأنه قد قام يقيننا على حسن الظن بالله ربنا، وان من واجبنا أن نستقبل الأمل ونستدبر اليأس والقنوط..وأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون..

 

من واجب كل من قلّده الله أمرا للمسلمين.. وكل من مكّنه الله من نعمة.. وكل من منّ الله عليه منّة عطاء؛ أن ينفق مما آتاه الله. لينفق ذو سعة من سعته. ومن ظن أن السعة هي المال فقط فقد حجر، فما كان المال مهما كثر ليسع، ولكن الخلق والحلم والعلم هو الأوسع كما أخبر رسول الله صلى الله وسلم عليه..

 

وهكذا كيفما درنا مع مدارات الفتن طبقا عن طبق نجد ثغرات مخلاة، ونجد أناسا ممن وصفهم ربنا في كتابه ممن لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا يتلجلجون تحت ثقل محنتهم، وربما كلمة من خير وبر وإحسان وعرفان ترد على المتعب راحته، وعلى اليائس روحه..وإن كنت ممن تملك هذه الكلمة فإياك ثم إياك أن تبخل بها..

 

أيها المتقلدون أمر الناس..

 

ماذا وقت التواري، ولا ذا وقت التداري، ولا ذا وقت الصمت.. ولا ذا وقت الهمس. هذا وقت يجهر في مثله الصديق رضي الله عنه فيقول: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.. فيقطع اللجاجات ويشد على القلوب، ويذكر القلوب، ويفتح الأبصار..

 

أيها المتقلدون أمر الناس..

 

أطلوا على الناس، بل خالطوا الناس، ألينوا للناس جانبكم، وطّئوا لهم أكنافكم، أطلقوا وجوهكم بالبشر، انثروا بسماتكم، ومع بسماتكم زهور الأمل، وجميل العذر..

 

أيها المتقلدون أمر الناس..

 

انزلوا إلى الناس.. انزلوا إليهم وهم ما علمتُ وأيقنتُ الأعلون.. انزلوا إليهم فاشرحوا لهم بعض ما كان، وبعض ما يريده بهم الحطمة من دعاة الشر ورعاته.. كلموهم بلغة العالم العارف الحكيم الواثق وتجنبوا ما استطعتم لغة الغرور والتغرير..

 

أيها المتقلدون أمر الناس…

 

وفي موقف للحق بالحق تكون كلمة الحق مرقاة لمقام سيد الشهداء.. فلا تبخلوا بها على أنفسكم، ولا تبخلوا بها على الناس من حولكم، ولا تبخلوا بها على شعوبكم وأمتكم.. هي كلمة التقوى فكونوا الأحق بها وأهلها، هي الأمانة التي أبتها السموات والأرض والجبال وحملتموها طائعين مختارين وشرط العهد الوفاء..

 

أيها المتقلدون أمر الناس

 

جددوا عهدكم مع الله.. ثم مع الناس. أنكم على بيعكم الذي بايعتم، وعهدكم الذي عاهدتم.. وأنكم على قدر وسعكم ستظلون الأوفياء لمبادئ الحق والعدل والحرية لدولة العدل على أرض الشام، وأنكم لن تنقضوا عهدا، ولن تنفضوا يداً من بيعة، وأنكم ما تزالون على خطا من قضى نحبه منكم وأنكم لم تبدلوا تبديلا..

 

أيها المتقلدون أمر الناس.. ما هذا زمن الصمت، ولا زمن التوري.. ولا زمان استصغار الذات. وكم من رجل على مر التاريخ كبّرته الأقدار فكبر، وفرضت عليه التحديات فقال أنا لها..

 

وإن لم يسمع الناس لكم في هذا اليوم صوتكم فمتى يسمعون..؟!