زهير سالم

لا أكتب شماتة، ولا نقمة، وإنما أكتب تذكيراً وعسى أن تنفع الذكرى..

ومن عرف الله ربه لم يجرّبه..

“قال لا تجرب الرب إلهك” لأن الذين يقيمون علاقتهم مع الله على التجربة إنما هم عديمو اليقين. وأختها ((ومن الناس من يعبد الله على حرف)).

ومن علم معنى “لا إله إلا الله” أدرك سر الوحدانية في الذات والصفات والأفعال على الوجه الذي لا يصح بدونه إيمان ولا توحيد..

وأنا أعيش في لندن، عاصمة بريطانيا العظمى، أجلس وأجعل مجلسي قبالة النافذة المطلة على الشارع، وكنا نقول: الشارع يصفر صفيرا، ولكنه هنا لا يصفر ولا يزفر.. وبين الفينة والفينة حتى يطير طائر، أو يسير سائر.

الخروج من البيت في بريطانيا غير محظور، فقط غير منصوح به، ومع ذلك لا أحد يريد الخروج. أستجمع شجاعتي، وأفتح باب داري، وأقف قبالته أستروح بعض نسائم الربيع، ثم أدخل وكأنني قمت بعمل بطولي.

هذا الخوف المخيم على البشر جميعاً في كل عواصم الأرض، هو خوف إنساني. وهو خوف حميد. وللحق هو ليس خوفاً سلبياً دائما، فعندما استنفرت الحكومة البريطانية مواطنيها لللعمل التطوعي استجاب لها خلال 48 ساعة أكثر من نصف مليون. خبر لا يجوز أن يمر علينا عابرا، ففي مثله نقتنص تجارب أو قيماً كانت عندنا وفقدناها في مجتمعاتنا منذ زمن بعيد.. حقيقة تحتاج إلى الاعتراف والتأمل والاقتباس.

تنقلني حالة الخوف العام أو المعمم الذي يلزم الناس في بيوتهم، من غير سلطة متسلط أو رقابة رقيب.. إلى حالة الخوف الإنساني المعمم الذي كانت تشيعه أسلحة شويغو الذكية وبراميل بشار الأسد الغبية على مدى تسع سنوات في نفوس السوريين..

أمام هول ما نعيش أستشعر حجم الخوف الذي اختزنه ضمير الطفل السوري الذي طمرته قذائف بوتين تحت الأنقاض وكتبت له النجاة، أو الذي أحسّ بسقف بيته يتهاوى، أو رأى أمه وأباه وأخته وأخاه أمام عينيه يفيضان.. وأستشعر حجم الخوف في قلب الطفلة والطفل، والأم والأب، يهيمون على وجوههم في ظلمة الليل، وبرودة الشتاء، لا يدرون إلى أين.. أستشعر خوف المعتقلات والمعتقلين، والمشردات والمشردين قد تحول إلى عبوات مختزنة في القلوب والنفوس!!

أتصور عبوات الخوف تلك في قلوب الملايين من البشر تنفجر دفعة واحدة وتفيض فتعم الأرض بالخوف.. وما يزال من عبوات الخوف المزيد..

السوريون عندما خافوا كانت الحكومة التي يجب أن تكون مبعث أمانهم هي مبعث خوفهم. والمجتمعات اليوم كلها تخاف وحكوماتها تقول لمواطنيها نحن معكم: حاضرون.. ناظرون.. فاطمئنوا.

أتذكر كم وقع قاسيا على نفوس الكثيرين عندما وقف بوريس جونسون: يقول للناس في بلده: هناك فئات معينة بين الناس ستترك لمصيرها، ولن تشملها مظلة العناية لأننا غير قادرين..!! كان للحياد السلبي الذي أعلنه أثره المزعزع على الكثير من النفوس. ومع ذلك فبوريس جونسون لم يقل مثلاً سوف نعلن الحرب على غير المتجانسين، وإن كانوا مليوناً فسنعتبرهم ملايين!!

وأعود إلى ظاهرة الخوف التي تسود العالم اليوم. وأستذكر المسئوليات الإنسانية والأخلاقية والقانونية عن كل هذا الخوف الذي ساد وشاع، ليس في سورية وحدها، وإنما في كثير من بلاد الله التى ترعاها الذئاب أو التي أسندت رعايتها إلى الذئاب..!!

المؤمنون بالفيزياء وحدها، كفاعل أساسي في حياة البشر لا يزالون يلوون رؤوسهم، ويصدون وهم مستكبرون..

والمؤمنون بأنّ الله جل الله قد خلق هذا الكون بالحق، وأقامه على العدل، حتى في فضاء الغابة التي خلقها الله نرى النواميس الدقيقة تنظم ما يظنه البعض الفوضى. فرغم كثرة المفترسات في الغابة ما يزال فيها أجيال من الغزلان والأبقار والأرانب. في الغابة يتسيد ناموس حق البقاء للجميع، وليس فيه ناموس للاضطهاد والاستئصال. في الغابة الأسد يشبع والنمر يشبع والذئب يشبع، وكل هؤلاء من بشر هذا العصر لا يشبعون!! كل النواميس الربانية الكلية في الكون ترعى جوانب العدل حتى حين تسلط حيواناً على حيوان..

ولكن هذا الإنسان حين استُخلف كان منه ما تابعناه في أفغانستان وأركان والإيغور والعراق وسورية وفلسطين واليمن ومصر…كان هناك الطغيان بلا حدود، والقتل بلا هدف… وترتب عليه انفجار الخوف الكبير..

من كل ما قرأت خلال العشر سنوات رابتني كلمات صدرت عن لبناني كتب مستهزئاً بجناب الله العظيم: كل هذه الحروب باسم الله -وكذب فكل الحروب كانت بأسماء الطغاة- كتب: كل هذه الحروب باسم الله، فأطل علينا أيها الله، أرنا وجهك، أسمعنا صوتك!!

وشعرت يومها أن السموات تتفطر وأن الجبال تتشقق للقول الإد الذي قاله رجل يقال إنه من بلد المسيح عليه السلام..

وأنا أعلم أنّ وجه الله جميل. وصوته أمل ورحمة، وأنه يتجلى على عباده المؤمنين بالطمأنينة والأمن والرجاء..

وأنّه سبحانه وتعالى عندما يتجلى على مثل هؤلاء الجاحدين المنكرين.. يتجلى عليهم بكل الذي نعيش..

ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا..

ربنا تجلّ علينا بأسماء رحمتك ولطفك..

اللهم عفوك وغفرانك