زهير سالم

 

كلمات ما زلنا نسمعها منذ أكثر من عقد، وما زال الكثير من الناس يرددونها وكأنها طريقة لإلقاء حمل عن كاهل، أو تقاذف الكرة بين من هم شركاء في فريق واحد.

 

ولقد سمعنا في سياق هذه الثورة المباركة عبارات من عقلاء لا يمكن أبداً أن تنتمي للعقل ومن أعجبها “دكتاتورية الأكثرية ” وكأن الأكثرية في سورية قد اجتمعت على قلب رجل واحد، ورمت مخالفيها في الدين أو في المذهب أو في الجنس عن قوس واحدة!! اعتبرت الأكثرية العددية المسلمة في حسابات البعض النقيض اللاعقلاني للواقع الراهن المتمثل في دكتاتورية الأقل من الأقلية على المستويات الديموغرافية، والسياسية والدينية والمذهبية والعرقية أيضاً.

 

نقول أقل من الأقلية لأن حسب معطيات النظم الديموقراطية الحديثة هناك قواعد للاعتراف بالمجموعات البشرية كأقليات ذات حقوق، وإلا فهي في عرفهم مجموعات فردية يغطيهم قانون المواطنة العام الذي يضمن الحقوق الفردية لكل مواطن.

 

وأكثر ما طولبت به الأكثرية في سورية – ونحن لسنا من أنصار تقسيم المجتمع إلى أكثرية وأقلية – هو تطمين الأقليات !!

 

فعلى مدى سنوات من صعود الخط البياني للثورة كان المطلوب من الإنسان السوري المحكوم بالإعدام على خلفية اعتقاده الديني أو موقفه السياسي – القانون 49 / 1980أنموذجا تناساه الناس – وكذا المطلوب من المشبوح يسلخه الجلاد أو المغتصب والمنتهك في سجون تديرها الأقلية بالوصف الصريح أن يقدم تطمينا للجزار المتحالف مع الروسي والإيراني أو الأمريكي يقصفونه بالطائرات وبكل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً في مستشفياته ومدارسه ومساجده والوكنات الطينية تستر لحم أطفاله..

 

في منطق عجيب مرتكس منتكس تطالب الضحية أن تطمئن جلاديها وليس جلادها.

 

كل الخطابات المسئولة التي أطلقتها قوى المجتمع المدني والسياسي السوري ومنها جماعة الإخوان المسلمين على مدى عقدين من الزمن – ميثاق الشرف الوطني 2001 – المشروع السياسي 2004 – ورقة العهد والميثاق 2012 والتي تتحدث جميعاً عن دولة: مدنية حديثة ديموقراطية تعددية تداولية تقوم على قاعدة المواطنة والدستور المدني والتكافؤ في الحقوق والواجبات بين المواطنين جميعاً لم تقنع أصحاب الامتيازات المنكبين على قصعة الدبس الوطني يتضلعون بلعقها وهم يرتجفون خوفاً كاذباً صنعوه بأن هذه الثورة سوف تودي بالعلوي على التابوت وبالمسيحي على بيروت. الشعار الإفك الذي افتروه والتحفوه وأعانهم على ترويجه قوم آخرون.

 

وعشرة ملايين سوري كانوا هم وقود هذه الثورة المباركة على أنحاء مختلفة لم يأبه لتضحياتهم وبما وقع بهم العالم كما أبه لجريمة مزعومة أو مفبركة مصنوعة قيل إنها وقعت في جبل سنجار فسارع الأمريكي إلى تدخل كان يدعي أنه يأباه في سورية وشكل تحالفه الستيني لينضم كفريق فاعل في قتل السوريين وتهجيرهم تحت ذريعة الحرب على تنظيم الدولة الذي تشاركوا في غرسه وفي سقايته ورعايته. وإذا صدق الأمريكي اليوم في الانسحاب من سورية فإننا نتحدى بالعودة إلى الإحصاء العلمي الشفاف لنحسم الجدل حول من قتلهم هذا التحالف من المدنيين ومن قتلهم حسب زعمه من الإرهابيين.

 

عشرة ملايين سوري قتلوا واعتقلوا وهجروا أصبحوا اليوم لوكة في أفواه أقوام لا خلاق لهم ما زالوا منذ انطلاقة الثورة متكئين على أرائكهم يلقون على الناس دروس الوطنية والأخلاق.

 

كل الحقائق تؤكد أن الحرب على التنظيمات الإرهابية الذريعة كانت ذريعة لقتل السوريين وتدمير ديارهم وتشويه هويتهم ومشروعهم الإسلامي الحضاري الذي تمت مصادرته بخلفيات غارقة في التعصب والكراهية في كل من مصر وتونس وليبية.

 

وفي السياق نفسه ما يزال بعض العقلاء يرددون بأن على المسلمين في سورية وعلى كبرى حركاتهم المنظمة المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين أن تجري مراجعات لأفكارها وأساليبها ودورها..

 

الحديث عن المراجعات في إطار الحرص على عملية تقويم مستمر للأداء الذاتي في الإطارين الجماعي والفردي مطلب مستدام مطلوب من جميع الناس لا يجوز أن يتوقف عنه إنسان عاقل أريب، يراجع المحسن نفسه ليزداد إحساناً، ويراجع المخطئ نفسه ليستدرك خطأه؛ ويظل الإنسان الحصيف العاقل يردد مقولة سيدنا رسول الله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت.. ولكن أن يظل بعض الناس يطالبون بهذه المراجعات فريقاً منهم وكأن هذا الفريق هو صاحب الأمر الإد والدعوة النُّكر مدعين الحصافة لأنفسهم، والكمال لطريقتهم ومنهجهم فهذا أمر لا يستقيم لا في منطق العقل ولا في واقع الحال.

 

إن الحقيقة التي يجب أن يعترف بها الجميع هي أن في المجتمع السوري دعوات ومناهج ومذاهب فكرية وسياسية واجتماعية متباينة ومختلفة وأول المصداقية للحديث عن الديموقراطية أن يعترف الجميع بالجميع ثم تكون إرادة المجتمع هي الفيصل والحكم.

 

الإخوان المسلمون لم يطالبوا أي فريق وطني أن يغير من عقائده وطرائقه وأساليبه. نحن رفضنا وسنظل نرفض الاستبداد والفساد كما سنظل نرفض منهج ادعاء الأستاذية والاستعلاء على الناس.

 

والإخوان المسلمون قد حجزوا موقعهم على الخارطة الوطنية السورية بما قدموا من تضحيات ورؤى وأفكار على مدى سبعة عقود خلت. ونحن أدباً منا لا نمن على أحد لا على وطن ولا على شعب ولا على فريق ولكن في الوقت نفسه لا نقبل أن يمن علينا أحد.

 

وإذا كان للشعب السوري من حصن ودرع ورأس رمح خلال العقود الخمس العجاف فهي هذه الحركة الإسلامية بتيارها الواسع العريض وليس بتنظيمها فقط بما قدمت وتقدم ضد نظام الفساد والاستبداد، وضد مشروع الغلو والتطرف الذي يراهن عليه أصحاب الذرائع، وضد المتهيعين من أصحاب المصالح العاجلة والطموحات الشخصية. من غير نكران منا لدور أي فصيل أو شخصية وطنية قدمت وضحت بما يجعلنا عندما يجد الجد فخورين بعطاءات كل السورين، معتزين بها.

 

لقد قيل الكثير من الباطل والكذب والإفك والافتراء في حق هذه الجماعة المباركة خلال سني الثورة..وها نحن بعد كل الذي جرى نعد جماهير شعبنا أننا بحول الله وقوته سنظل ماضين في طريق ثورتنا حتى تحقق أهدافها كما أرادها الله العلي القدير أولاً، ثم كما تصورها الشهداء الذين قضوا ومضوا في بناء وطن حر سيد لجميع أبنائه. وطن أساسه العدل وقاعدته المساواة الكاملة بين الناس. وطن يسوده دستور حق يعبر عن هوية شعبنا ويجسد إرادته وتطلعاته. دستور تخطه الثكالى والأيامى والأيتام حتى لا يكون في وطننا ثكل ولا يتم…

 

ونرجو أن يكون قد آن الأوان ليراجع الكثيرون أنفسهم بما قالوا وزيفوا في حق هذه الجماعة المباركة حتى كان خطابهم لا يختلف كثيراً عن خطاب بشار الأسد في استهداف هذه الجماعة وفي تشويه سمعتها ومن ورائها استهداف هذا الشعب العظيم وهذه الثورة المباركة..

 

ونرجو أن يكون قد آن الأوان ليراجع المغرورون والمخدوعون والمراهنون على الدعوات البراقة دعواتهم ومناهجهم وأفكارهم وسائلهم..نرجو ألا ينسوا للحظة تصريح لافروف ” إن من الخطر أن يحكم أهل السنة سورية ولن نسمح به ” نرجو أن يتأملوا بعمق الدور الأمريكي والدور الأوربي في بعده الإنساني: حيث 92% من أموال المانحين أعيد تدويرها في مطحنة بشار الأسد حسب تحقيقاتهم وليس حسب ادعاءاتنا. وما نظن ذلك حصل خطأ أو عفواً..

 

نرجو أن يمتلك هؤلاء الذين ما زالوا يراهنون على قيم مدعاة كذاب تفسيراً واحداً لإهمال كل ما وثقه القيصر من وثائق والتمادي في السكوت على الجريمة الهولكست كل هذه السنوات..

 

وستظل هذه الجماعة متمسكة بالقواعد الربانية الركينة لدينها وإسلامها، مستعدة لمراجعة طرائقها وأساليبها ووسائلها بما يحفظ على وطننا سيادته ووحدته واستقلاله وعلى شعبنا دينه وعقيدته وهويته وحريته وكرامته وعزته. في دولة أساسها العدل ورايتها إخاء ومساواة.

 

“وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ”

 

والله أكبر ولله الحمد