وكان سيدنا رسول الله سيد الذاكرين

 

وعقد في عشر سنين مائة لواء لغزوة وسرية

 

مهمة التحليل السياسي الأساسية، تفسير الظاهرة السياسة، أو الحدث السياسي الكلي أو الجزئي، ووضعه في سياقه، والإشارة المباشرة إلى العوامل الإيجابية أو السلبية التي صنعته أو أدّت إليه، ليعلم الناس أين هم، وكيف يعزّزون ما هم عليه من صواب، وكيف يتّقون ما يحيط بهم، أو ما تصنعه أيديهم أحياناً في عالم الوهن والخراب.

 

وفي زمن المحن الفردية والجماعية، كالمحنة التي يعيشها الشعب السوري هذه الأيام، يتكاثر المتطببون والمنجّمون وضرابو المندل وفتّاحو الفال الذين يصرون، بعضهم بغفلة وحسن طوية، وآخرون بوعي وسوء نية، على دفع الناس بعيداً عن البحث الحقيقي عن أسباب محنتهم وبلواهم، ليعلموا من أين أوتوا، وكيف يكون المخرج..

 

ومن هذه التحليلات الواهمة، التي تبعث الوهن في القلوب، والخلل في العقول، والرواغ أمام الأبصار.. هذا الطوفان الاتهامي الذي يكاد يغمرنا بأننا في ثورتنا وفي معركتنا لم نكن مسلمين حقيقيين.. وأنّ الذي لازمنا وحاصرنا قلة الإيمان وضعفه وكثرة الذنوب والمذنبين والخطايا والخطائين، وأنّ الذي نقصنا أو ينقصنا أو تجديد إيمان وحسن إسلام وتوبة وإنابة وذكر واستغفار وسجود وتضرع في جوف الليل ويزيد بعضهم والعودة إلى محاضن التربية الحقيقية، والخلوات التهذيبية وإننا لو فعلنا كل ذلك فسينزل الله علينا ملائكة من السماء تقاتل عنا وتنصرنا، وكأنّ القرآن لم يتنزل على هذه الأمة ((كتب عليكم القتال وهو كره لكم)). كُتب عليكم القتال، وليس على ملائكة تقاتل عنكم..

 

وعندما يجد الناس أنفسهم يختنقون بالعبرة، وتتمزق صدورهم بالزفرة يكثر الصخابون من أصحاب الورع البارد من التقريع واللوم والتشكيك ويظلون يقدمون وصفاتهم ملفوفة بسلوفان الوعظ التي يصعب على عاقل أن يحللها، فيقيّد مطلقها، ويخصّص عامها، ويعيد توظيف كلّ وصفة في مقامها الذي هو أولى بها.

 

لن أترك لمتربص فرصة ليقول إنني في هذا المقال أقلل من أهمية وقيمة (ذكر الله) وربنا جل علاه يقول ((إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)). لن أترك فرصة لمتربص ليقول إنني في هذا المقال أهوّن من أثر التوبة والأوبة والدمعة بين يدي الله والتوكل عليه، والاستنصار به، واستمداد العون منه.. فكل هذا من أساسيات الإيمان والإسلام التي لا يجوز لمسلم أن يفتر عنها في حال من الأحوال، فالمؤمنون المسلمون هم الذين وصفهم مولاهم ((يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض)).

 

ولكن هل صحيح -وفي إطار التحليل السياسي أكتب- أنّ المعتقلين في سجون الطاغية الذين يصبّ عليهم العذاب صباً، لم يجدوا لحظة صفاء يدعون فيها القريب المجيب فيستجيب لهم؟!

 

هل صحيح أنّ ملايين الأمهات الفاقدات الثكالى لم يجدن في لوعتهنّ الإخلاص المشروط، الذي يلوذ بترداد الحديث عنه المشككون الصخابون المثبطون، لاستجابة الكريم للمستضعف المظلوم المكلوم الذي اجتمع عليه كلّ طغاة الأرض وجباريها..؟!

 

هبوا أنّه كان في طبقتنا السياسية بعض من يريد علواً في الأرض أو فساداً، هبوا أنه كان في تلافيف بعض الفصائل وقياداتها بعض من يريد الحياة الدنيا وزينتها؛ ولكن أين يقع أولئك وهؤلاء في هذا الفيض الطيب من الذين خرجوا يهتفون وتصدق دماؤهم هتافهم: هي لله.. هي لله.. وما لنا غيرك يا الله؟!

 

أليس من فقه شريعتنا أنّ الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، أليس من واقع ثورتنا أنها كانت مثل البحر تذيب طهوريته كل ما يلقى فيه؟!

 

إنّ الذي يريد أن ينصّب نفسه ناصحاً ومعلماً للناس عليه أن يتقي الله في نفسه أولاً، وفي علمه ثانياً، وفيما يوصي به ويصفه ثالثاً..

 

وحين يقول القائل بأنّ هذه الثورة لم تنتصر لأن أهلها لم يكونوا مسلمين في مستوى استحقاق النصر.. فهو يصدق من وجه، ويخطئ ويتردى من وجوه..

 

يصدق من وجه أول وفي كل حال وحين، لأنّ حالة الكمال الإيماني لا يدّعيها مؤمن عالم بحقائق الإيمان، ولا يدّعيها مسلم عاقل يعلم أنّ ((اتقوا الله حق تقاته)) غاية منصوبة لطلاب الفضل وعشاق الكمال، تهيّبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فحطّت عنهم تكليفاً وظلت مرفوعة أمام أبصارهم تشريفاً أنّهم لن.. وعليهم أن ((فاتقوا الله ما استطعتم))

 

ويخطئ هؤلاء المدعون، ومع كلّ ما بأيديهم من الشواهد والأمثلة الفردية والجزئية، التي يضربونها تشنيعاً على الثورة وثوارها، متناسين أنّ الله سبحانه وتعالى قال في أصحاب نبيه عليه الصلاة والسلام في ساعة امتحان ((منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة..))

 

ويصدق صاحب هذا التحليل أو التوصيف، حين يقرر: لم ننتصر لأننا لم نكن في مستوى من الإيمان يؤهلنا للانتصار..

 

ولكنه يخطئ ويضلّ ويضلّل حين يوحي أو يصرح أنّ الانتصار كان ليتحقق بالمعجزة الخارقة تستجلبها بعض ما يصف من وصفات هي إلى الختل والمكر والخداع أقرب!!

 

وكما أنّ من حقائق هذا الدين أنّ الإيمان والتوكل والتوبة من شروط نصر المؤمنين ومقدماته فإنّ من حقائق هذا الدين أيضاً أنّ النصر لا يتحقق بالمعجزة المطلقة، بأن يقعد المؤمنون للتسبيح والذكر والاستغفار فتقاتل عنهم ملائكة السماء. نصر الله يتحقّق بجهد البشر، وبإحكامهم أمورهم، وبجميل توكلهم وحسن تدبيرهم. وهذا الذي نقص السوريين في المشهد الذي ما زلنا نعاينه ونعانيه..

 

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الذاكرين، وكان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وعندما أخل بعض جنده باستراتيجية حرب كان قد أحكمها، مسّه ومسّهم القرح، فكسرت رباعيته، وجرحت وجنته، وأصابته المصيبة التي أصابتهم ولم يمنعه من ذلك أنّه رسول الله، ولم يمنعهم من ذلك أن فيهم رسول الله..!! فأيّ درس لنا في ذلك؟! وأي عبرة؟!

 

إنّ استصحاب ذكر الله، والخوف منه والوقوف عند حدوده، والتوبة من الذنوب ينبغي أن يظلّ حال المسلمين ومقامهم.. فإذا نزلت بهم المصيبة، ومسّهم القرح عليهم أن يتلمسوا أسبابها وسط هذا الحال وهذا المقام..

 

ولا والله ما شهد التاريخ الحديث نساءً ولا رجالاً أكمل إيماناً ولا أحسن إسلاماً ولا أجرأ على تضحية في سبيل الله ممّا شهده في أبناء الإسلام في الشام المبارك، حتى لتظنّ أن البركة؛ ما منحت لأهل الشام إلا لأجل أبناء هذا الجيل المؤمن المضحّي المبارك الأمين.. وكل الشهداء في حروب المسلمين مع أعدائهم شهداء، وشهداء أهل الشام فيما قدّموه وأقدموا عليه كانوا سادة الشهداء يحفون بسيدهم حمزة بن عبد المطلب، ذلك لأنّهم الرجال قاموا إلى الطاغية الفاسد المستبد الظالم فأمروه ونهوه فقتلهم. اللهم تقبل شهداءنا في عليين، واقطع عنّا وعنهم ألسنة المشككين.

 

ومع ذلك يبقى لقول القائل لم نكن على مستوى من الإيمان والإسلام ما يستوجب النصر -ولا يحابي ربنا أحداً ولا يظلم ربنا أحداً- ذلك أنّنا مع حسن إسلام وجميل توكل أغفلنا أموراً وأموراً منها هي أيضاً من مقوّمات الإيمان وأساسيات الإسلام منها: سلامة التقدير – وحسن التدبير – وإحكام التخطيط – وتوسيد الأمور إلى أهلها – والاجتماع على مثل طالوت، وإن لم يؤت سعة من المال – وترك النزاع ونسينا جميعاً – فلا تنازعوا فتفشلوا ..

 

أيها الثوار السوريون الأحرار…

 

لقد كنتم في ثورتكم الأقرب إلى ربكم، والأجمل التزاماً بأمر دينكم، فاستزيدوا من ذكر الله، واستغفروه إنّه كان غفاراً، وأنيبوا إليه، وأحسنوا التوكل عليه.. واعلموا أنّ السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة ولا نصراً وإنّما من تمام إيمانكم وجميل توكلكم أن تُعملوا وتَعملوا بما سنّ ربكم من سنن، وبما وضع من نواميس، وهذا الذي غاب عن ثورتكم فما أحكمتموه، وهذا الذي غفلتم عنه ونسيتموه، وإنّ من ذكر الله أن توقنوا بأنّه مسبّب الأسباب، وصاحب السنن، وأنّه يرمي بأيديكم فشدّوا الوتر وسدّدوا الرمية..

 

وما يزال في القوس منزع، وما تزال الحرب سجال.. وإن نسيتم أشياء وأشياء وأشياء فلا تنسوا من أمر دينكم ((ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم من الله شيئا ثم وليتم ودبرين))..

 

وفي أكثر من سياق أمركم ربكم بالتقوى مقروناً بها سديد القول والعمل أمركم بقوله ((اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم(( وأمركم بقوله ((اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم))…