د. أحمد موفق زيدان

 

استطاعت العصابة الطائفية في دمشق تعميم استراتيجيتها التي أتقنتها طوال اغتصابها السلطة في سوريا منذ نصف قرن، استطاعت صرف الأنظار وحرفها عن المشكلة الحقيقية والجوهرية التي يئن تحتها الشعب السوري، فالوحدة والحرية والاشتراكية، معززة بشعارات الكذب في الصمود والتصدي، فالمقاومة والممانعة، وما أن اندلعت الثورة السورية حتى بدأ العالم كله يستنسخ استراتيجية حرف الأنظار هذه بعيداً عن المشكلة الحقيقية، وهي مشكلة وجود العصابة الطائفية المتحكمة ليس برقاب الشعب السوري وإنما بالمنطقة كلها، فكان الحديث عن الدستور، وعن انتقال وهمي للسلطة، وعن التدخل الإيراني والروسي ومقاومتهما، وكأن الشعب السوري انتفض من أجل أوهام وأكاذيب، وليس من أجل قلع سرطان فتك بجسده على مدى عقود، وهو يؤكد ما نقله معارضون التقوا الروس منذ بداية الثورة السورية من أن نظام الأسد كنز استراتيجي، وأن كل الأموال العربية لا تفي قيمة هذا النظام.

 

جاءت تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا وحديثه أن الأسد تحول إلى جثة ولا يمكن النفخ فيه، ليؤكد أن استراتيجية حرف الأنظار والأكاذيب متواصلة، وربما تفيد هذه الاستراتيجية على المدى القصير، ولكن التاريخ لن يرحم كل الذين وقفوا مع العصابة الطائفية سراً وعلناً، وانتظروا طوال هذه الفترة الطويلة من تدمير سوريا وشعبها، فالجثة التي يتحدث عنها المسؤول الأميركي غدت جثة سوريا نفسها، وحديثهم عن طرد الاحتلالين الإيراني والروسي من سوريا كان بالإمكان منعهما من الدخول منذ اليوم الأول، أما أن يتم السماح لهما بتدمير الشام وحضارتها وشعبها، ثم بعد كل هذا يتحدث البعض عن مقاومتهم لهذه الاحتلالات، غير آبهين بكل تلك المجازر والمآسي والمجازر، فتلك مهزلة المهازل.

 

كأن الشعب السوري الذي انتفض لثماني سنوات، انتفض من أجل دستور وليس من أجل من يطبق هذا الدستور ويقف عليه، وكأن الشعب السوري الذي قدم الملايين من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمشردين كان يقدمهم من أجل دستور لا يغني ولا يسمن من جوع، وتتعدد أساليب حرف بوصلة الثورة السورية، بحسب مصالح الدول والجهات المعادية للثورة، فالبعض يرى في داعش المشكلة، والآخر يرى في جماعات متشددة بشكل عام المشكلة، وثالث يرى في كل من رفع السلاح ضد العصابة الطائفية، وآخر يرى المشكلة في الاحتلال الروسي والإيراني، وهكذا يبقى الشعب السوري هو الضحية وهو الذي يدفع الثمن الباهظ والخطير من دمه وتاريخه وحاضره ومستقبله، ولا يعرف هؤلاء أن المشكلة في عصابة مجرمة أهلكت الحرث والنسل، وهي المرض، وغيرها العرض.

 

جذر المشكلة وأساسها في الشام هو وجود عصابة طائفية مجرمة، وليس في إقامة مناطق عازلة من أرض دفع الشعب السوري خيرة أبنائه من أجل تحريرها، فبعد أن عجزت العصابة الطائفية، ومعها سدنتها المحتلون، عن السيطرة عليها يقومون بقضمها رويداً رويداً، ولكن لكل أجل كتاب، وكتاب الثورة السورية سيأتي أجله، وأجل الثورات على مدى الزمان والمكان هو الانتصار والفوز الكبير، طال الزمن أو قصر، فذاك سفر الثورات الذي سجله لنا التاريخ القريب والبعيد، وإن غداً لناظره قريب.